آخر 10 مشاركات الفانوس (الكاتـب : - )           »          السلام عليكم (الكاتـب : - )           »          القطط في المنام (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          رؤيه صفية (الكاتـب : - )           »          السلام عليكم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          العصفور (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          بعض الاحاديث الضعيفة (الكاتـب : - )           »          هل ينقطع عمل العبد بموته ؟ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          مثل الجليس الصالح والجليس السوء (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )


 مواضيع لم يتم الرد عليها شارك  بالرد عليها


إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 26-07-13, 08:43 PM
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً
لوني المفضل Darkred
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل : Jan 2012
 الإقامة : المدينة النبوية
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم : 298
 معدل التقييم : الخواتيم ميراث السوابق is a jewel in the roughالخواتيم ميراث السوابق is a jewel in the roughالخواتيم ميراث السوابق is a jewel in the rough
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه الأصول الستة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعجب العجاب ، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بياناً واضحاً للعوام فوق ما يظن الظانون ، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل.

الشرح:
قوله : الغلاب ، وهو ليس من الأسماء الحسنى الثابتة لله ، لأن الأسماء توقيفية ، ولكن الشيخ ذكره على سبيل الصفة ، قال تعالى:{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }[يوسف:21].
قوله : واضحاً للعوام ، أي واضحة لجميع المسلمين العالم والجاهل والذكي والبليد والرجل والمرأة .
قوله : ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل.وذلك لأنه قد يكون الإنسان ذكيا وكافرا ، يعبد البقر مثلاً ،كما هو حال كثير من عقلاء الهند من عباد البقر، أو يعبد صنما كعباد بوذا من اليابانيين والصينين والكوريين ، قال الله تعالى: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [الأنعام:116]، وقال جل وعلا: { إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَاْنَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء:8]، وقال الله تعالى: { وَقَلِيْلٌ مِنْ عِبَاْدِيَ الشَّكُوْرُ }، وقال سبحانه:{ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}[يوسف:103].
[الأصل الأول]

[ إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له ، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم.]

الشرح:
قوله: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، والإخلاص هو تجريد العمل وتخليصه لله تعالى ، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان لوجهه خالصاً، قال تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3].
وقال تعالى :( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ)(الزمر: من الآية2).
وقال تعالى :( وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (لأعراف: من الآية29).
وقال تعالى: ( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (غافر:14) .
وقال تعالى: ( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر:65)
وقال تعالى :( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة:5) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يقولُ الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّرك ، مَنْ عَمِل عملاً أشركَ فيه معي غيري ، تركته وشركَه ).
وقال تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف: 110.
والشرك لا يغفره الله إلا إذا تاب منه صاحبه سواء كان شركا أكبر أو شركا أصغر ، قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}[النساء:48].
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعريِّ : أنَّ أعرابياً أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله : الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغْنمِ ، والرَّجلُ يُقاتِل للذِّكر ، والرَّجُلُ يقاتِل ليُرى مكانُهُ ، فمن في سبيل
الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ قَاتَل لتكُونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا ، فهو في سبيل الله ).
وأخرَّج الإمام أحمدُ والنَّسائيّ في الكبرى وحسنه الألباني مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله ولم يَنْوِ إلاَّ عِقالاً ، فله ما نوى ) .
وأخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - : سمعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشهِدَ ، فأُتِي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه ، فعرفها ، قال : فما عَمِلتَ فيها ؟ قالَ : قاتلتُ فيكَ حتّى استُشْهِدتُ ، قالَ : كذبتَ ، ولكنَّكَ قاتلتَ ؛ لأنْ يُقَالَ : جَريءٌ ، فقد قيل ، ثمَّ أُمِرَ به ، فسُحِبَ على وجهه ، حتى أُلقي في النَّارِ ، ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمه ، وقرأَ القُرآن ، فأُتِي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه فعرَفها ، قال : فما عملتَ فيها ؟ قال : تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه ، وقرأتُ فيكَ القرآنَ . قال : كذبتَ ، ولكنَّك تعلَّمتَ العلمَ ، ليُقال : عالمٌ ، وقرأتَ القرآنَ ليقال : قارىءٌ ، فقد قيلَ ، ثمَّ أُمِر به ، فسُحِب على وجهه حتّى أُلقي في النّار ، ورجلٌ وسَّع الله عليه ، وأعطاه من أصنافِ المال كلِّه ، فأُتي به ، فعرَّفه نِعَمَهُ عليه ، فعرفها ، قال : فما عَمِلتَ فيها ؟ قال : ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفقَ فيها إلاَّ أنفقتُ فيها لكَ ، قال : كذبتَ ، ولكنَّك فعلتَ ، ليُقالَ : هو جوادٌ ، فقد قيلَ ، ثمَّ أُمِر به ، فسُحب على وجهه ، حتى أُلقي في النار ) . وفي الحديث : إنَّ معاويةَ لمَّا بلغه هذا الحديثُ، بكى حتَّى غُشِي عليه ، فلمَّا أفاق ، قال : صدَقَ الله ورسولُه ، قال الله - عز وجل - : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّار }.
وأخرَّج الترمذيُّ وحسنه الألباني في صحيح الجامع(5930) من حديثِ كعبِ بن مالك ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ طَلَب العلمَ ليُمارِي به السُّفهَاء ، أو يُجاري به العُلَماء ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ النَّاسِ إليه ، أدخله الله النَّار ).
وأخرَّج الإمام أحمد عن شدّاد بن أوسٍ ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (مَنْ صَلَّى يُرائِي ، فقد أشرَكَ ، ومنْ صَامَ يُرائِي فقد أشرَكَ ، ومن تَصدَّقَ يُرائِي فقد أشرك ، وإنَّ الله - عز وجل - يقولُ : أنا خيرُ قسيمٍ لِمَنْ أشرَكَ بي شيئاً ، فإنَّ جُدَّةَ عَمَلِهِ قليله وكثيره لشريكِهِ الذي أشركَ به ، أنا عنه غنيٌّ ) .
و أخرج مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ ).
وقال تعالى :{ فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراءون ويمنعون الماعون } (الماعون : 4 - 7).
وروى أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع(1555) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً.
وأخرج َأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد :{ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ } .
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ.أخرجه أحمد وانظر الصحيحة للألباني (2566).
فأما من كانت له نية صالحة في الدعوة إلى الله , أو أن يسمع أخاه كلام اللّه ليتعظ به ويتدبره أو ينتفع باستماعه ويتذكر به فليس داخلاً في السمعة لوجود حسن النية وصحة القصد ولفقد اقتران الآفة بإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا، كما قال أبو موسى لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً، فلم ينكر عليه لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به
وأخرج مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ :قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ.
واسمع إلى الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ.
وأخرّج الإمام أحمد وابنُ ماجه مِنْ حديث زيدِ بن ثابتٍ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال :( مَنْ كانتِ الدُّنيا همَّه فرّق الله عليه أمره ، وجَعَلَ فقرَه بين عينيه ، ولم يأتِهِ من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له، ومَنْ كَانَتِ الآخرةُ نيَّته جمَعَ الله له أمرَه ، وجعل غِناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ).
وفي " الصَّحيحين " عن سعد بن أبي وقَّاصٍ ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بِها وجهَ اللهِ إلاَّ أُثِبْتَ عليها ، حتَّى اللُّقمَة تجعلُها في فيِّ امرأتك ).
من فوائد الإخلاص:
(1) أن قبول العمل لا يكون إلا به.
والدليل :قوله تعالى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } (الكهف/110) .
قوله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (النساء:125)
قال العلماء (أسلم وجهه) أي أخلص العمل لله ،(وهو محسن ) أي اتبع في عمله ما شرعه الله في الكتاب والسنة.
و أخرج النسائي وصححه الألباني في الصحيحة(52) عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ قَالَ:جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي- صلى الله عليه وسلم -فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلاً غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - : لاَ شَىْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ , يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - : لاَ شَىْءَ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ.
(2) أن المرء يحصل الثواب ولو لم يعمل العمل.
والدليل:قوله تعالى :( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:100)
و رَوى البُخارِيُّ ومُسلمٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنْ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَروي عَنْ رَبِّهِ تَباركَ وتَعَالى قَالَ : (إنَّ الله - عز وجل - كَتَبَ الحَسَناتِ والسيِّئاتِ ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ ، فَلَمْ يَعْمَلْها ، كَتَبها الله عِنْدَهُ حَسنَةً كَامِلةً ، وإن هَمَّ بِها فَعَمِلَها ، كَتَبَها الله عَنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعاف كَثيرةٍ ، وإنْ هَمَّ بسيِّئة ، فلمْ يَعْمَلها ، كَتَبَها عِنْدَهُ حَسنةً كَامِلةً ، وإنْ هَمَّ بِهَا ، فعَمِلَها كَتَبَها الله سيِّئة واحِدَةً ).
و أخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة(6 / 116) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة.
و أخرج البخاري (4423) وأبو داود (2508) وابن ماجه (2764) وأحمد (11598)(12218) (12463)(12825)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ.
و أخرج مسلم (1911) واللفظ له, وابن ماجه (2765) وأحمد(13796) (14265) عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ . وفي رواية ( إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ ).
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.
(3) إجراء الثواب بعد انقطاع العمل .
والدليل ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري قال :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.
(4) الإخلاص ينجي صاحبه:
قال تعالى في قصة يوسف:[وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمَُخلصِينَ] ( يوسف/24)
وقال تعالى مخبراً عن قول إبليس ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص:82،83)
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم.
فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب شجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر ـ زاد بعض الرواة: "والصبية يتضاغون عند قدمي" ـ فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيع الخروج منها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلى بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال لي: يا عبد الله، أد إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي! فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فساقه: فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون .
(5) بالإخلاص تكون النصرة من الله :
قال تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55)
وقال جل شأنه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)
و أخرج النسائي بسند صحيح عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أن النَّبِىِّ- صلى الله عليه وسلم - قال: إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا , بِدَعْوَتِهِمْ , وَصَلاَتِهِمْ , وَإِخْلاَصِهِمْ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم -قَالَ :رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ (أخرجه مسلم 8/36 و154).
ومما يعين على الإخلاص:
(1) استحضار عظمة الله، وأن النفع كله بيده، فإن حياة الإنسان وصحته وهواءه وماءه وأرضه وسماءه بيد الله، وليس لأحد تصرف في صغير ولا كبير حتى يقصد بالعمل أو بشيء منه، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) [الأعراف:194].
وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر:13-14].
وفي الصحيح: إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .

(2) مجاهدة النفس على الإخلاص، فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69].
وعن سفيانَ الثَّوريِّ ، قال : ما عالجتُ شيئاً أشدَّ عليَّ من نيَّتي ؛ لأنَّها تتقلَّبُ عليَّ.
وعن يوسُفَ بن أسباط قال : تخليصُ النِّيةِ مِنْ فسادِها أشدُّ على العاملينَ مِنْ طُولِ الاجتهاد.
قال سهل بن عبد الله التستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب .
وهذا خالد بن معدان كان رحمه الله: إذا عظمت حلقته من الطلاب قام خوف الشهرة.
(3) العلم بخطر الرياء، فقد حذر الله منه بقوله: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:65].
وقوله :( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء:48) .

وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء:116)
وعن ابن المبارك ، قال : رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمهُ النيَّةُ ، وربَّ عمل كبيرٍ تُصَغِّره النيَّةُ .
وقيل لنافع بن جُبير : ألا تشهدُ الجنازةَ ؟ قال : كما أنتَ حتَّى أنوي ، قال : ففكَّر هُنَيَّة ، ثم قال : امضِ
(4) أن تستعين بدعاء الله سبحانه بأن يوفقك للإخلاص، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم دعاءً نتخلص به من الرياء، فقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: أيها الناس: اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه؟ وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله، قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله بقوله: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دعا بقوله: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة. رواه ابن ماجه عن أنس بسند صحيح.
(5) عمل السر :
قال تعالى: ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة:271)
وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله :( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).
و أخرج النسائي(2561) والترمذي(2919) وأبو داود(1333)عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ.

[ ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم] .
الشرح:
قوله : ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار، يعني من الانحراف عن الصراط المستقيم ، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، يعني الصالحين الذين يدعون الناس إلى السنة وإلى الطريق القويم وترك البدع والخرافات، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم، وهذا هو الغلو الذي نهى الشرع عنه ، لأنه يفضي إلى الشرك، فقد أخرج البخاري (4920) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلو فيه ، فقد أخرج البخاري (3445) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.
و أخرج ابن ماجه (1853) وأحمد(19403)وصححه الألباني أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه و سلم . قال ( ما هذا يا معاذ ؟ ) قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم . فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( فلا تفعلوا . فإني لو كنت آمرا أحد أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) .
ومع كل هذا النهي والتحذير رأينا وسمعنا من ينتسبون للإسلام يسجدون لقبور الصالحين ويركعون لها ويدعون الموتى من دون الله بدعوى محبة الصالحين وهذا من الشرك الأكبر ، والعياذ بالله.



 توقيع : الخواتيم ميراث السوابق

"ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم"

رد مع اقتباس
قديم 26-07-13, 09:03 PM   #2
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر


الصورة الرمزية الخواتيم ميراث السوابق
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل :  Jan 2012
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم :  298
لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-




[الأصل الثاني]

[أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بياناً شافياً تفهمه العوام ، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه ، ويزيده وضوحاً ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين ، وصار الاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون].

الشرح:
قوله : أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه" وذلك بقوله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 103 ـ 105]
وبقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) }الأنعام
وقال تعالى:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) }الروم
وقال الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:153) .
وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال:46].
وفي الحديث المشهور الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم :( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) قيل : من هي يا رسول الله ؟ قال : (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية : قال: (هي الجماعة ). أخرجه الترمذي(2641) والحاكم(1/128)،والآجري في الشريعة(21) وابن بطة في الإبانة(2651) والللاكائي في السنة(1470) وحسنه الألباني في صحيح الجامع(5219).
والرواية أخرجها أبو داود(4597) وابن ماجه(3992).
ولذلك جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن أبي ثعلبة الخشني ما يدل على النهي عن التفرق الحسي فضلاً عن المعنوي ، حيث قال رضي الله عنه : كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية فقال صلى ا لله عليه وسلم : ( إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان ) فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال : لو بسط عليهم ثوب لعمهم .وقال صلى الله عليه وسلم: الجماعة رحمة والفرقة عذاب.حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة(667).
والخلاف منه ما هو فطري طبيعي كالخلاف في الأشكال والألوان والألسنة والرغبات والأهداف يقول سبحانه:: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } الروم (22)
وقال سبحانه: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود:118، 119) .
ومنه ما هو غير فطري ، بمعنى أنه ناتج عن نظر واجتهاد، كالخلاف في العقائد وأصول الدين وفروعه،
وهذا منه المقبول ومنه غير المقبول .
أولاً الخلاف المقبول(السائغ): وهو الخلاف الذي له أسبابه المعتبرة عند أهل العلم، ولم يخالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلي ، ومثل هذا وقع بين الصحابة كثيراً ، وينبغي أن تتسع له الصدور للخلاف السائغ في الأحكام، فلا نبدع ولا نفسق ولا نشدد، مع اعتقادنا أن الحق واحد ، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري(7352)، ومسلم(1716) عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-.
ومن أمثلة الخلاف المعتبر مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجرا لاجتهاده.
ومن ذلك الخلاف في جواز أخذ الأجر على تعليم كتاب الله أو على إمامة الصلاة أو الأذان ونحو ذلك.
والخلاف في فرضية أو سنية المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
وكالخلاف في الطلاق البدعي هل يعتد به أم يلغى.
ومثله الخلاف في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل أم لا.
ثانياً الخلاف غير السائغ :وهو المردود أو المذموم: وهو الذي يقوم على رد النصوص الصحيحة الصريحة، والعبث بالأدلة والأهواء والآراء الفاسدة، كمسائل العقيدة واختلاف الناس فيها وبعدهم عن كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتفرقهم إلى فرق وأحزاب ، ومثل هذا الخلاف لم يحصل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولم يكثر وينتشر إلا بعد القرون المفضلة .
حزب الله واحد ، وهم السالكون على طريق الحق :
قال تعالى:{ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) }الأنعام
وقال سبحانه:{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } الأنعام
وقال تعالى:{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) }المائدة
وقال جل شأنه:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)}النساء
وقال تعالى:{ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) }المؤمنون
وجاء في الحديث الذي أخرجه أحمد(4437) والنسائي في الكبرى(11174)وصححه الألباني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا قَالَ ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ السُّبُلُ وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ { وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ }.
أسباب الخلاف غير المقبول:
(أ) الهوى.
قال تعالى : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص:50)
وقال :( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (الروم:29)
وقال : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد:16)
وقال:( وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (القمر:3) .
قال مالك بن أنس : قيل لرجل عند الموت : « على أي دين تموت ؟ » قال : على دين أبي عمارة ، كأنه رجل كان يتولاه من بعض أهل الأهواء قال : فقال مالك : « يدع المشئوم دين أبي القاسم ، ويموت على دين أبي عمارة » أخرجه : الدارمي في السنن (248) .
وأخرج أبو داود وغيره وحسنه الألباني بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال :« ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال : " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة » . زاد ابن يحيى وعمرو في حديثهما : « وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم الأهواء كما يتجارى الكَلب بصاحبه » ، وقال عمرو : « الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ».
قال ابن الأثيرفي النهاية في غريب الأثر ( 1|739):
( تَتَجارى بهم الأهْوَاء كما يَتجارى الكَلَبُ بصاحِبه ) أي يَتواقَعُون في الأهواء الفاسدة ويَتَدَاعَوْن فيها تَشْبِيها بِجَرْي الفَرس . والكَلَبُ بالتحريك:داء معروف يعْرض للكَلْب فَمن عَضَّه قَتَله .
إن أصحاب الأهواء تتجارى بهم أهواؤهم من حيث لا يشعرون ، أشربت بالهوى قلوبهم فلا تجعل لهم مجالاً يبصرون به الحق أو يتبعونه ، فبينهم وبين الحق حجاب ، يتسابقون إلى الاختلاف والابتداع من حيث لا يشعرون أنهم يذنبون .وفيه أنهم لا يزالون في سباق في خلق الشبه والاعتراضات وغير ذلك من الأهواء ، فإن هذه الأهواء تحملهم على المسارعة والمسابقة إلى كل شر فلا تدع لهم مجالاً للتفكير فهم في سباق.
وأيضاً في تشبيه صاحب الكلب في اتقائه للماء كاتقاء أهل الأهواء من الكتاب والسنة .
أيضاً قليل من يرجع من أصحاب الأهواء كذلك داء الكلب لا يدع صاحبه حتى يموت أو يشفيه الله منه .
وعن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى.صحيح الترغيب والترهيب (52) وقال الألباني: صحيح.
وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه.صحيح الترغيب والترهيب (53) .
(ب) إتباع الرأي ومجانبة السنة.
قالوا :الرأي مرج والحديث درج ،أي من كان على السنة فهو على درج الوصول ،أما الرأي فهو مرج يسيح المرء فيه بغير ضابط ،فلا يُحَصِّلُ إلا التخبطات والأغاليط ،قال سهل بن حنيف : ( يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل لو استطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته ) البخاري كتاب الاعتصام (13|282) .
وقال علي رضي الله عنه :( لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من أعلاه ) أخرجه الدارمى (1/195 ، رقم 715) ، وأبو داود (1/42 ، رقم 162) ، والطحاوى (1/35) ، والدارقطنى(1/204 ، رقم 4)وصححه الألباني .
ج _ تقديم العقل علي النقل .
كرم الله الإنسان وفضله بالعقل ، وامتدح في كتابه ذوي الألباب والعقول المستنيرة ، قال تعالى ( إنما يتذكر أولوا الألباب ){الرعد:19}
وقال سبحانه :(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29) ولكن كثيرا من الناس لم يبقوا العقل في المكانة التي وضعه الله ـ تعالى ـ فيها ، بل زلوا فيه على صنفين :
صنف عطله ولم يقم له وزناً ،وصنف بالغ فيه وجعله مصدراً للتشريع وقدمه على النقل الصحيح، حيث بنوا لأنفسهم ضلالات يسمونها تارة بالحقائق واليقينيات ،وتارة بالمصالح والغايات التي تهدف النصوص إلى تحقيقها ـ وان لم تنص عليها ـ ثم يأخذون النصوص الثابتة والتي يسمونها بالظنيات , فيعرضونها على تلك الضلالات ،فما وافقها قبلوه وما عارضها ردوه ، اعتماداً منهم على قاعدة : اليقين لا يزول بالشك !! ا هـ
ومعلوم أن المعقولات لا تقع تحت ضابط ، فما يثبت بالعقل يمكن نقضه بالعقل ،لأن العقول تتفاوت وتتباين درجاتها ومستوياتها ، ولا منجى من هذا إلا بالاعتصام بالوحيين . راجع: إتباع النبي صلى الله عليه وسلم في ضوء الوحيين ص 132،131 ،لفيصل بن علي البعداني ،المطبوع ضمن كتاب المنتدى " حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإجلال والإخلال "
وراجع إن شئت كتابنا : سبيل المؤمنين في الرد على شبهات القرآنيين ص18 ط دار ابن عمر .
د- الاستناد إلي أصول غير أصول أهل السنة.
وذلك كالاستناد إلى أصول كأصول الفلاسفة والمنطقيين سواء كانوا أعجميين أو عرباً، وهذا المنطق وهذه الفلسفات موروثة لدى هؤلاء عن المنطق الأرسطي اليوناني القديم ،وهو في خلاصته أسلوب جدلي كلامي عقلي يبني نتائجه على تصورات وأقيسه ، أي تصور الغائب على الحسي المشاهد ، لذلك
زلوا في العقائد والإلهيات ،وأتوا بما لم يعرفه المسلمون ، لذلك ذاعت الكلمة المشهورة : من تمنطق فقد تزندق . لأنه لا يتوصل بالمنطق إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة ، فمصدرها الكِتاب والسُنة لا غير .
ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال : ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب ، وإتباعهم لسان أرسطو . نقلا عن مقدمة كتاب الرد على المنطقيين للأستاذين د|محمد نصار ،د|عماد خفاجي ص24 ط مكتبة الأزهر .
وقال شيخ الإسلام بن تيمية عن علم المنطق: لا يحتاج إليه الذكي ، ولا ينتفع به البليد. انظر :الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية (1|53).
وثَم رواية أوردها السيوطي في كتابه (صون المنطق والكلام ) تفيد أن الخلفاء من بني العباس اهتموا ـ بحسن نية ـ بترجمة علوم اليونان الأوائل ،ولم يدركوا أن هذه العلوم الفلسفية ما دخلت على عقائد أمة إلا أفسدتها ، ولذا يسوق السيوطي هذه الرواية بسند مطول كأنه يريد تأكيد صحتها ،وهي تفيد أن خلفاء بني العباس ـ وبخاصة المأمون ـ كانوا يصانعون ملك الروم ويرسلون له الهدايا بواسطة رسلهم ، حتى أصبح الأمر غير عادي ، فظن الملك أن وراء هذا أمر هام ، ففاتح رسول الخليفة في هذا الأمر ، فأخبره انه يريد خزانة الكتب التي تشمل على علوم الأوائل لترجمتها إلى اللغة العربية ، فأمهله الملك ، وجمع بطارقته ليستشيرهم في الأمر ، وكانت خزانة الكتب قد بنى عليها بناء محكماً حتى لا يتسرب أحد إليها فيستخرج ما بها فيعرفه القوم فتتزعزع عقائدهم ، فأشار عليه كبير بطارقته بأن يدفع هذه الكتب إلى رسول الخليفة ، لأنها وسيلة لإفساد عقائد المسلمين ، قال الراوي :
فأخذها رسول الخليفة وهو بها فرح ، وكتب المنطق في مقدمة هذه الكتب المهداة . نقلاً عن مقدمة الرد على المنطقيين ص7،6.
هـ - التعصب للرجال أو المذاهب أو الفرق أو الجنسيات والأعراق.
فمن الناس من يتعصب لعالم أو لشيخ أو لجماعة أو لعرق ، ويرد الحق إن خالف ما عليه شيخه أو جماعته ونحو ذلك،قال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام رحمه الله: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس. وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول»
و- الجهل :
وذلك لأن العلم نور ، فبه تفشو السنة ،وتقمع البدعة ،ويعبد الله على الوجه الذي يرضيه سبحانه ،والعلم يحصل بالتعلم ومجالسة العلماء الربانيين ، الذين هم حصون ودروع الأمة ،وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم ،فضلوا وأضلوا) أخرجه البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ) أخرجه : الطبراني في الكبير (18343) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6077) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2207) ومعنى الأصاغر أي الجهلاء الذين لم يتحققوا بالعلم .
وعن ابن مسعود قال: (كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، إذا ترك منها شيء قيل: تركت السنة)، قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: (ذلك إذا ذهب علماؤكم، وكثرت جهالكم، وكثرت قراؤكم، وقلّت فقهاؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقّه لغير الدين ). شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (109).
جاء في الإبانة لابن بطة(1|27):
قال إبراهيم بن نصر : سمعت الفضيل بن عياض ، يقول : « كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناساً لا يفرقون بين الحق والباطل ، ولا بين المؤمن والكافر ، ولا بين الأمين والخائن ، ولا بين الجاهل والعالم ، ولا يعرفون معروفا ، ولا ينكرون منكرا ؟ » قال الشيخ : « فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فإنا قد بلغنا ذلك ، وسمعناه ، وعلمنا أكثره ، وشاهدناه ، فلو أن رجلا ممن وهب الله له عقلاً صحيحاً ، وبصراً نافذاً ، فأمعن نظره وردد فكره ، وتأمل أمر الإسلام وأهله ، وسلك بأهله الطريق الأقصد ، والسبيل الأرشد لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم ، وارتدوا على أدبارهم ،
فحادوا عن المحجة ، وانقلبوا عن صحيح الحجة ، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون ، ويستحلون ما كانوا يحرمون ، ويعرفون ما كانوا ينكرون ، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين ، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين ، ولا من أهل الإيمان به واليقين .
ز- تقليد الأئمة المضلين
وقال بعضهم لا تقلدوا دينكم الرجال إن آمنوا آمنتم وإن كفروا كفرتم . مختصر المؤمل ص63 .
وكان مالك بن أنس يقول إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه .
وقد كره الإمام أحمد أن يكتب فتاويه وكان يقول لا تكتبوا عني شيئا ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلانا وفلانا وخذوا من حيث أخذوا .
وقال ابن المبارك سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم فعلى الرأس وإذا جاء عن أصحابه نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم .
وفي رواية قال آخذ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله فإن لم أجد في كتاب الله وسنة رسول الله آخذ بقول أصحابه ثم آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعد رجالا من التابعين فقوم اجتهدوا وأنا أجتهد كما اجتهدوا.
ح- حب الرئاسة والزعامة .
نعم من الناس من يخالف الحق لأجل أن يظل رأساً في جماعته أو قبيلته، مع علمه ببطلان ما هم عليه ، ولكن تمنعه شهوة الزعامة والرئاسة من اتباع الحق والعياذ بالله.

ي – العمل بالأحاديث الضعيفة وما دونها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 1/250 ) : لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنه . انتهى .
وقال الأنصاري في فتح الباقي في شرح ألفية العراقي : من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلاً لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته ، وإلا فإن وجد أحداً من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده ، وإلا فلا يحتج به .
انتهى نقلاً عن : أصول الفقه على منهج المحدثين لزكريا بن غلام قادر الباكستاني ص14ط دار الخراز .
ولا فرق في عدم جواز العمل بالحديث الضعيف بين أن يكون في فضائل الأعمال أو في غير فضائل الأعمال.
وقد ذهب النووي إلى أن الحديث الضعيف في فضائل الأعمال يعمل به بالإجماع . وفي القول بالإجماع نظر ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه كما في مجموع الفتاوى ( 1/251 ) : وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب ، جاز أن يكون الثواب حقاً ، ولم يقل أحد من الأئمة : إنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع . انتهى .
وقال الشوكاني في وبل الغمام ( 1/54 ) : وقد سوغ بعض أهل العلم العمل بالضعيف في ذلك مطلقاً ، وبعضهم منع من العمل بما لم تقم به الحجة مطلقاً ، وهو الحق ، لأن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام ، فلا يحل أن ينسب إلى الشرع ما لم يثبت كونه شرعاً ، لأن ذلك من التقول على الله بما لم يقل ، وكان في فضائل الأعمال ، إذ جعل العمل منسوبا إليه نسبة المدلول إلى الدليل ، فلا ريب أن العامل به ، وإن كان لم يفعل إلا الخير من صلاة أو صيام أو ذكر ، لكنه مبتدع في ذلك الفعل من حيث اعتقاده مشروعيته بما ليس شرع ، وأجر ذلك العمل لا يوازي وزر الابتداع ، ولم يكن فعل ما لم يثبت مصلحة خالصة ، بل معه عرضة بمفسدة هي إثم البدعة ، ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح .
وقال ابن حجر في تبيين العجب ( ص22 ) : لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل ، إذ الكل شرع . انتهى .
ك ـ الكبر:
كما قال أبو عثمان النيسابوري ـ رحمه الله ـ: «ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه» اقتضاء الصراط المستقيم (2/612) .
أسباب الخلاف المقبول:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " رفع الملام " ( مجموع الفتاوى 20/240) :
وجميع الأعذار ثلاثة أصناف :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله .
والثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع على أسباب متعددة :
السبب الأول أن لا يكون الحديث قد بلغه .
والسبب الثاني أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده .
السبب الثالث :اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِاجْتِهَادِ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ مَعَهُمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ
السبب الرابع اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطاً يخالفه فيها غيره.
السبب الخامس : أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه ، وهنا يرد في الكتاب والسنة .السبب السادس : عدم معرفته بدلالة الحديث.
السبب السابع : اعتقاده أن لا دلالة في الحديث والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة ، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست صحيحة .
السبب الثامن : اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل عل أنها ليست مراده .
السبب التاسع : اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلاً للتأويل بما يصلح أن يكون معارضاً بالاتفاق .
السبب العاشر : معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضاً أو لا يكون في الحقيقة معارضاً راجحاً ، فهذه الأسباب العشرة ظاهرة وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها ، فإن مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن جميع ما في بواطن العلماء ..... انتهى مختصراً .
وجوب التخلص من الخلاف المذموم:
وذلك بدلالة الآيات والأحاديث التي توجب الاجتماع وتوحيد الصف ، ولذلك أسباب:

(1) بالعودة إلى الكتاب والسنة:
قال الله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (الشورى:10) .
وقال تعالى:{ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} النساء.
(2) الالتفاف حول العلماء المنضبطين بالسنة، قال تعالى:{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} النحل.
(3) العلم الذي يزيل غياهب الجهل، ويبدد ظلمات الضلال، قال تعالى:{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } محمد:19.
(4) الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى:{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)}النحل.
(5) الإخلاص في طلب الحق، قال الشافعي رحمه الله: " ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الله الحق على يديه". المجموع للنووي(1/12)
وجاء عنه :( ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه ، فإن كان الحق معي اتبعني ، وإن كان الحق معه اتبعته ) قواعد الأحكام 2 / 305 .
ويقول ـ أي الشافعي ـ : « ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة » الفقيه والمتفقه (665).
وقال : « والله ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ »السابق.


 

رد مع اقتباس
قديم 26-07-13, 09:13 PM   #3
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر


الصورة الرمزية الخواتيم ميراث السوابق
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل :  Jan 2012
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم :  298
لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-



[الأصل الثالث]
أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً ، فبين الله هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً ، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به.

الشرح:
قوله: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا" وهذا حق الحاكم وولي الأمر ،لقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء:59].
والسمع والطاعة بمعنى الانقياد والإذعان ، ولذلك جاء السمع مع الطاعة في كتاب الله، فقال سبحانه: { وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [البقرة:285] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقولوا سمعنا وعصينا، وقولوا: سمعنا وأطعنا ).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( على المسلم السمع والطاعة في منشطه ومكرهه وفي عسره ويسره )
قوله [ ولو كان عبداً حبشياً ] لما أخرجه أحمد (17144)وأبو داود(4607) وابن ماجه(42) والترمذي(2676) عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا أَوْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
وأخرج البخاري(7142)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ.
وليس هذا ذما للجنس الحبشي أو للون الأسود، فإن المسلمين تتكافأ دماؤهم وألوانهم ، والله تعالى يقول: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} الحجرات.
والمعنى أنه لو استقر الأمر لأقل الناس فله حق السمع والطاعة ، لما في ذلك من مصلحة اجتماع المسلمين وحفظ الدين وصيانة حوزة الأمة والملة.
الخروج على الحاكم من أكبر الكبائر:
وهذا هو ما عليه أهل السنة ، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والأهواء كالمعتزلة والخوارج ومن لف لفهم ، ودار في فلكهم من أصحاب التكفير والتفجير ، وإنما من حق الحاكم السمع والطاعة والنصيحة لقوله صلى الله عليه وسلم « الدِّينُ النَّصِيحةُ -ثلاثًا-، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ».
وأخرج البخاري(7053)( 7054)( 7143) ومسلم(1849)عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وأخرج مسلم(1851)عن زيد بن محمد عن نافع قال : جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) .
وأخرج مسلم(1848) عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ).
وأخرج مسلم (1850)عن جندب بن عبد الله البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية ) .
وأخرج مسلم (1852)عن عرفجة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) .
وأخرج مسلم (1853)عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) .
وجوب الصبر على الأذى:
وأخرج مسلم (1854)عن أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع ) قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال ( لا ما صلوا ).
وأخرج مسلم (1855) عن عوف بن مالك الأشجعي: عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ) قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولا تكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة )
وأخرج البخاري (7057)ومسلم(1845)عن أنس بن مالك عن أسيد بن حضير : أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ألا تستعملني كما استعملت فلانا ؟ فقال ( إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ) .
وأخرج مسلم (1846) عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال : سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال ( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) .
وأخرج البخاري ومسلم (1847)عن حذيفة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر ؟ قال ( نعم ) فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال ( نعم وفيه دخن ) قلت وما دخنه ؟ قال ( قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ) فقلت هل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال ( نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) فقلت يا رسول الله فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال ( نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ) قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال ( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .
وفي رواية أخرجها مسلم (1847): قال حذيفة بن اليمان قلت يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال ( نعم ) قلت هل من وراء ذلك الشر خير ؟ قال ( نعم ) قلت فهل من وراء ذلك الخير شر ؟ قال ( نعم ) قلت كيف ؟ قال ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) قال قلت كيف أصنع ؟ يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال ( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ).
إنما الطاعة في المعروف:
أخرج البخاري(7055)ومسلم(1709)عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.
وأخرج البخاري (7052)سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ :قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ.
وأخرج البخاري (7144)عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ.
وأخرج البخاري (7145)عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا نَارًا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.


 

رد مع اقتباس
قديم 26-07-13, 09:28 PM   #4
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر


الصورة الرمزية الخواتيم ميراث السوابق
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل :  Jan 2012
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم :  298
لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-



الأصل الرابع:
بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ، وبيان من تشبه بهم وليس منهم ، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }[سورة البقرة، الآية: 40]إلى قوله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ، [سورة البقرة، الآية: 47]. ويزيده وضوحاً ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد ، ثم صار هذا أغرب الأشياء ، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل ، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون ، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم.

الشرح:
قوله [بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ] لأن العلم والفقه في الدين نور وبصيرة ، فبه يعرف الله ويوحد ، وبه يعبد الله ويمجد ، وبه بيان الصراط الأوحد ، قال الله تعالى:{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } الأنعام
والعلم ضده الجهل أعاذنا الله منه ، والجهل نوعان : جهل بسيط ، وهو الجاهل الذي يعلم أنه جاهل.
وجهل مركب ، وهو الجاهل الذي لا يعلم جهله ، بل يظن في نفسه العلم .
فضل العلم وأهله.
(1) العلم كالغيث والعلماء كالأرض الخصبة ،روى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً ، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ؛ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ ، فَشَرِبُوا ، وَسُقُوا ، وَزَرَعُوا ، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ.
(2) عن قيس بن كثير قال : قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي ؟ فقال : حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : أما جئت لحاجة ؟! قال : لا .
قال : أما قدمت لتجارة ؟! قال : لا .
قال : ما جئت إلا في طلب هذا الحديث .
قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر .[ أخرجه الترمذي (2682)] .
وفي الحديث أيضا يقول صلي الله عليه وسلم :( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، وإن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني .
(3) أهل العلم هم أهل الخشية ، قال سبحانه : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم . أحدها : دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة ،فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } ،وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى : { جزاءهم عند ربهم جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } [ البينة : 8 ] إلى
قوله تعالى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ }
وقال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيزِيدُهُمْ خُشُوعًا "[ الإسراء : 107-109 ]
ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : « وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة » أخرجه _ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم يروي عن ربه جل وعلا _ ، ابن المبارك في الزهد (1/50 ، رقم 158) والبيهقي في شعب الإيمان (1/482 ، رقم 777) وابن حبان (2/406 ، رقم 640) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2666).
وعن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عز وجل أوحى إلى أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة . وفضل في علم خير من فضل في عبادة وملاك الدين الورع. رواه البيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني في المشكاة (255).
وعنْ مَسْروقٍ ، قال : «كفى بالمَرْءِ عَلْماً أنْ يخشَى اللَّهَ ، وكفى بالمَرْءِ جهلاً أنْ يُعْجَب بعلْمه».
(4) ما طلب الله تعالى من نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستزيد إلا من العلم ، قال تعالى" وقل رب زدني علما " فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.
(5) العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ، قال تعالى{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات }[ المجادلة :11 ]وقال سبحانه :{ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أم هل تستوي الظلمات والنور } وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير (إذا جاء نصر الله والفتح) فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه.
فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.
وفي البخاري عن عبد الله ابن عباس قال: قدم عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا.الحديث.
وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملته على أهل الوادي ؟ فقال: ابن أبزى.
فقال: ومن ابن أبزى ؟ قال: مولى من موالينا.
قال: فاستخلفت عليهم مولى ! قال: إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض.
قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين).
وفي الحديث: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى" أخرجه مسلم رقم (432).
(6) أهل العلم هم أهل الذكر الذين أمر الناس بسؤالهم عن عدم العلم قال الله تعالى : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) [ النحل:43]
(7) أهل العلم هم أطباء الأمة الذين يداوون الأمة من أمراضها ، فالجهل داء والعلم شفاء ،وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإنما شفاء العي السؤال ) [ أخرجه أبو داود (336)] .
وحسبنا من القول أن نقول إن الشيطان يفرح بموت العالم ، نعم ، لأن العالم اشد على الشيطان من ألف عابد وقيل في الحكاية أن الشيطان أتى عابداًُ ناسكاً زاهداً فقال له ترى هل يستطيع ربك أن يجعل كل هذا العالم في بيضه . فقال : لا أدرى . ثم أتى عالماً فسأله نفس السؤال ؟ فقال له :إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) وأيضاً حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً فأراد أن يتوب ، فسئل عن أعلم الناس ، فدل على راهب ، فذهب إليه فقال قتلت تسعة وتسعين نفساً هل لي من توبة ، فقال لا فقام إليه فقتله فأكمل به المائة ثم سئل عن اعلم الناس ، فدل على عالم ، فأتاه فقال مئة نفس ، فهل لي من توبة ؟ فقال نعم : ومن يحجب عنك التوبة ،اذهب إلي أرض كذا وكذا فا عبد الله معهم .... الخ الحديث .
والشاهد أن العابد – غير العالم – أتى من قبل جهله والعالم دله على الخير بعلمه ، وهذا من فضل العلم
وعن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( ثلاثة أقسم عليهن ، وأحدثكم حديثا فاحفظوه . قال : ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا ، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها . وأحدثكم حديثا
فاحفظوه قال : إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالا وعلما ، فهو يتقي فيه ربه ، ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل . وعبد رزقه الله علما ، ولم يرزقه مالا ، فهو صادق النية يقول : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء . وعبد رزقه الله مالا ، ولم يرزقه علما ، فهو يخبط في ماله بغير علم ، لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقا ، فهذا بأخبث المنازل .وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما ، فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته فوزرهما سواء .[ أخرجه الترمذي (2325) وقال : حسن صحيح].
فبان فضل العلم الذي وجه صاحبه إلى العمل الصالح والنية الصالحة.
(8) من فضل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على التنافس فيه، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ))[ متفق عليه].
(9) الفقه في الدين دليل على إرادة الله الخير بالعبد، فقد أخرج البخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:{ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ}.
(10) العلماء شهود على وحدانية الله ،قال الله تعالى : (( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)) [ آل عمران : 18]
(11) العلم مقدم على القول والعمل ، قال تعالى{ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } فأمر بالعمل بعد العلم وقال: { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو - إلى قوله - سابقوا إلى مغفرة من ربكم } [ الحديد: 20 - 21 ] وقال: { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } [ الأنفال: 28 ].ثم قال بعد: { فاحذروهم } [ التغابن: 14 ].
وقال تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } [ الأنفال: 41 ].
ثم أمر بالعمل بعد. انتهى ، تفسير القرطبي(16/242).
وقد بوَّب الإمام البخاري بابًا فقال: باب العلم قبل القول والعمل ،لقوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } [ محمد:19 ].
(12) نضارة وجوه أهل العلم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( نضر الله امرأً سمع مقالتي فبلغها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، رب حامل فقه إلى ‌من هو أفقه )) [ أخرجه ابن ماجه (230)والترمذي وأحمد وصححه الألباني ] .
(13) طلب العلم جهاد في سبيل الله ،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله ، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره )) [أخرجه ابن ماجه (227) وأحمد(9419) بسند صحيح ] .و قال تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن .
(14) ثواب العالم لا ينقطع بموته، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ))[ أخرجه مسلم].
(15) العلم بصيرة للقلب واللسان، قال تعالى : { فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [الحج:46] ؛ ولذلك جعل الله الناس على قسمين : إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى : { أفمن يعلم أنَّما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى }[ الرعد:19] .
(16) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :إن أهل العلم هم أحد صنفي أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]
فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام ،والعلماء وطلبة العلم، فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله ودعوة الناس إليها، وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها. كتاب العلم ص11.
(17) أهل العلم هم القائمون على أمر الله ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ).
كيف يطلب العلم؟
وذلك بملازمة أهل العلم، والرحلة إليهم، والسماع منهم ، والتدوين عنهم ، والحفظ والمذكرة وطول النظر، والحذر كل الحذر من طلب العلوم بلا شيخ ،قيل : ( من دخل في العلم وحده خرج وحده )
أي : من دخل في طلب العلم بلا شيخ خرج منه بلا علم ، إذ العلم صنعة ، وكل صنعة تحتاج إلى صانع ، فلا بد إذاً لتعلمها من معلمها الحاذق .
وقال الصفدي : ( ولهذا قال العلماء : لا تأخذ العلم من صحفي ، ولا من مصحفي ) .
وقيل : من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه.
الرحلة في طلب العلم:
هذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه ، فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي وسرت شهراً حتى قدمت الشام فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب ، فأتاه فقال له جابر بن عبد الله ؟ فأتاني فقال لي فقلت نعم ، فرجع فأخبره فقام يطأ ثوبه حتى لقيني فاعتقنني واعتنقته فقلت حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص ولم اسمعه فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد – أو قال الناس – عراة غرلا بهماً ، قلنا ما بهماً ؟قال ليس معهم شيء ، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لأحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة قلنا كيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً ؟ قال بالحسنات والسيئات . رواه البيهقي في المدخل والخطيب في الجامع.
وفي الحديث عن زر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين فقال ما جاء بك يا زر ؟ فقلت ابتغاء العلم فقال أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب . ولهذا كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون فضل العلم ، وفضل الرحلة في تحصيله.
وروى أيضاً من طريق عياش بن عباس واهب بن عبد الله المعافري قال : قدم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار على مسلمة بن مخلد فألقاه نائماً فقال أيقظوه قالوا بل نتركه حتى يستيقظ قال لست فاعلاً فأيقظوا مسلمة له فرحب به وقال انزل قال لا حتى ترسل إلى عقبه بن عامر لحاجة إليه فأرسل إلى عقبه فأتاه فقال : هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من وجد مسلماً على عورة فستره فكأنما أحيا موءودة من قبرها ،فقال عقبه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك .
فقد علم السلف فضل الرحلة في طلب العلم فهذا إبراهيم بن ادهم رحمه الله يقول إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث .
ويقول الإمام البخاري رحمه الله كنا ثلاثة أو أربعة على باب ابن عبد الله فقال إني لأرجو أن هذا تأويل الحديث ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم ) إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم لان التجار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات والملك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة أنتم تحيون سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: [ وبيان من تشبه بهم وليس منهم ، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }[سورة البقرة، الآية: 40]إلى قوله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ، [سورة البقرة، الآية: 47]. ]
وهؤلاء الذين لبسوا ثياب العلماء وليسوا منهم ، فلم يطلبوا العلم من مظانه، ولم يجالسوا العلماء ليتعلموا ، ولم يرحلوا في طلب العلم ، ولهذا لم يقدروا العلم وأهله، فهؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل ، ويكتمون الحق وهم يعلمون ، وفيهم شبه لليهود الذين علموا الحق وقالوا بخلافه، قال تعالى: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} البقرة.
وقد بين الله سوء عاقبتهم فقال سبحانه :{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} البقرة.
وقال جل شأنه:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) } البقرة.
ومن فساد هؤلاء بعد كتمان العلم وعدم قول الحق ، أنهم يضلون الناس بعد أن ضلوا هم ، فقد أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ».
وأخرج الدارمي في السنن(249) عن عبد الله بن ربيعة قال: قال سلمان رضي الله عنه: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس .
وعن أبي أمية الجمحي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَلْتَمِسَ الْعِلْمَ عِنْدَ الأَصَاغِرِ.».أخرجه ابن المبارك في الزهد (1/20، رقم 61)، والطبراني (22/361،رقم 908)
واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (1/85 ، رقم 102) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (695).
قوله: [وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل ، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون ، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم.]
وذلك بعد فشو الجهل وتصدر السفهاء ، وتوسيد الأمر إلى غير أهله ، وقلة طلاب العلم والصادعين بالحق وموت العلماء ، فتسمع من الفتاوى ما يشيب منه الرأس ، فترى تحليل الحرام وتحريم الحلال ، فالربا صار عندهم حلالا والخمر يسمونها بغير اسمها ويحللونها ، والزنا يتحايلون بالحيل ليكون مسوغا ، والتبرج لا مانع منه ، وعلى العكس الحجاب حرام وبدعة ، والختان حرام وبدعة، وتعدد الزوجات حرام وبدعة ، وأمثال هذا كثير،حتى أنك تحس أيها المؤمن بغربة الدين وأهله،كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ».
وأخرج البخاري ومسلم عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ) وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ.
وأخرج مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الْفِتَنَ فَقَالَ قَوْمٌ نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَجَارِهِ قَالُوا أَجَلْ. قَالَ تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه
وسلم- يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِى تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ فَقُلْتُ أَنَا. قَالَ أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ». قَالَ حُذَيْفَةُ وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ لاَ بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ. حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ فَقُلْتُ لِسَعْدٍ يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِى سَوَادٍ. قَالَ قُلْتُ فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا قَالَ مَنْكُوسًا.
قلت: ولعل تفشي مظاهر الشرك في البلاد في عصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جعله يتأسف على جعل الحق باطلاً والباطل حقاً ، لأنه في رحلته الطويلة رأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد والأقطار التي زارها من العقائد الضالة والعادات الفاسدة ، فصمم على القيام بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الخرافات والشركيات ؛ فعندما زار المدينة كان يسمع الاستغاثات الشركية برسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الله .
وقد كانت نجد مرتعاً للخرافات والعقائد الفاسدة التي تناقض أصول الدين الصحيحة ، فقد كان فيها بعض القبور التي تنسب إلى بعض الصحابة ؛ يحج الناس إليها ، ويطلبون منها حاجاتهم ، ويستغيثون بها لدفع كروبهم .
وأغرب من ذلك توسلهم في بلدة منفوحة بفحل النخل واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج !! فكانت من تقصده تقول : يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحول !! .
وفي الدرعية كان غار يقصدونه ،بزعم أنه كان ملجأ لأحدي بنات الأمير التي فرت هاربة من تعذيب الطغاة .
وفي شعب غبيرا قبر ضرار بن الأزور ،كانوا يأتون لديه الشرك والمنكر.
ورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، ما لا ينبغي إلا مع رب الأرباب .
كما رأى في البصرة - وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن - من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ولا يقره الشرع ، ووازن تلك الأفكار المنكرة بميزان الوحيين ؛ كتاب الله وسنة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه المتقين ؛ فرآها بعيدة عن منهج الدين
وروحه ، ورأى فاعليها لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل ؟ ولماذا بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة ؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية وما كان فيها من الوثنية الممقوتة ، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعه إلا القليل .
فالعلماء في وقته في الغالب مشغولون بدراسة الفقه وعقائد علماء الكلام المخالفة لاعتقاد السلف، دون تمييز بين الصحيح والسقيم.
والعامة منهمكون في البدع والخرافات والشركيات ودعاء الأموات، دون أن يهب أحد من العلماء-فيما نعلم- لإصلاح هذا الواقع الأليم، والمرتع الوخيم.
حكاية الشجرة والقبة :
وقد طلب الشيخ من الأمير (عثمان بن محمد بن معمر أمير بلدة العينية )أن يقطع شجرة كانت تعبد في البلدة وان يهدم قبة زيد بن الخطاب رضي الله عنه فتمنع الأمير وبعد أن ألح الشيخ عليه و أقنعه فآذن له في الآخر ثم طلب إليه آن يسير هو أيضا معه فسار الأمير مع الشيخ ومعهما ستمائة فارس ولما وصلوا إلي المحل المطلوب قطعت الشجرة وهدمت القبة وكانت قرب بلدة الجبيلة فكان ذلك العمل من أخطر الأعمال التي آتاها الشيخ فلما فعل الشيخ هذا الفعل الأول اشتهر آمره ، ونبه ذكره .
بدء دعوة الشيخ الإصلاحية :
بعد أن ثبت وتحقق لديه حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم ، وأيقن أنهم قد أدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن وتأباه السنة ، قوى عقيدته بخطئهم وركونهم إلى البدع ما جاء في السنة بأن المسلمين لا بد أن يغيروا ، وأن يسلكوا مسالك الذين قبلهم كالحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. :« لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه . . » ، وحديث « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » . أخرجه مسلم (145) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
حينئذ صمم الشيخ أن يعلن لقومه بأنهم قد ضلوا الطريق السوي وزاغوا عن منهج الصواب .
وقد ابتدأ الشيخ رحمه الله دعوته ، يبين لهم أن لا يدعى إلا الله ، ولا يذبح ولا ينذر إلا له .
ومن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار الاستغاثة بها وصرف النذور إليها ، واعتقاد النفع والضر ، فبين أن ذلك كله ضلال وزور ، وبأنهم في حالة لا ترضي الله ، فلا بد من نبذ ذلك ورده .
وعزز كلامه بالآيات من كتاب الله ، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، وسير أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين .


 
التعديل الأخير تم بواسطة الخواتيم ميراث السوابق ; 26-07-13 الساعة 09:34 PM

رد مع اقتباس
قديم 26-07-13, 09:39 PM   #5
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر


الصورة الرمزية الخواتيم ميراث السوابق
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل :  Jan 2012
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم :  298
لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-



[الأصل الخامس]:
بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية من سورة آل عمران وهي قوله: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } {سورة آل عمران، الآية: 31} . الآية ،و آية في سورة المائدة وهي قوله: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } {سورة المائدة، الآية: 54} . الآية ، وآية في يونس وهي قوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين أمنوا وكانوا يتقون } {سورة يونس ، الآيتان: 62-63}.

قوله [ بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار ]وذلك حتى لا يحصل لَبس وخلط عند عموم المسلمين بين العالم وغير العالم ، وبين أولياء الله وأعداء الله ، فلابد من البيان .

من هم أولياء الله؟
الولاية معناها القرب والمحبة والنصرة ، قال سبحانه وتعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } [البقرة:257]،
يقال ولي فلان فلاناً أي ناصره واقترب منه وأعانه ، ويقابل الولاية العداوة والكره والبغضاء والبراءة.
وأولياء الله هم المتقربون إلى الله بصالح الأعمال ، محبون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم متبعون لما شرع الله بمعنى أنهم عاملون بالكتاب والسنة ، كما في قوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} آل عمران.
ومن أوصافهم أنهم أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله أحداً ،قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} المائدة .
وأولياء الله أهل إيمان وأهل تقوى وخشية من الله تعالى، قال تعالى:{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يونس:62-63].
وأولياء الله لا يزكون أنفسهم بل يتهمون أنفسهم ويخافون من ذنوبهم ، قال تعالى:{ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)} النجم.
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى [ ثم صار الأمر عند الله أكثر من يدعي العلم ؛ وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ومن تبعهم فليس منهم ، ولا بد من ترك الجهاد فمن جاهد فليس منهم ، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم يا ربنا نسألك العفو والعافية إنك سميع الدعاء. ]
وهؤلاء أدعياء العلم والعلم منهم بريء ، وأرباب الهوى ومجانبة الحق والهدى ، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها ، قال تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) } النساء.
وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ، قَالَ: نَعَمْ . قُلْتُ :وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ :نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ،قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، قُلْتُ :فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ، قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا قَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ :فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ .


 

رد مع اقتباس
قديم 26-07-13, 09:51 PM   #6
فضيلة الشيخة - جامعية معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر


الصورة الرمزية الخواتيم ميراث السوابق
الخواتيم ميراث السوابق غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 153
 تاريخ التسجيل :  Jan 2012
 المشاركات : 483 [ + ]
 التقييم :  298
لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: الأصول الستة للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب-رحمه الله-



[الأصل السادس]:
رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة ، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافاً لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه ، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق ، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعاً وقدراً ، خلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة ولكن أكثر الناس لا يعلمون { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون . إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون . وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون . وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم } . {سورة يس ، الآيات: 7-11} .
آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

الشرح:
قوله :[ رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة........... ] وذلك حتى يصرف الناس من أسباب الهداية إلى أسباب الغواية والاختلاف ، وقد أوحى الشيطان إلى أوليائه بذلك ، كما قال تعالى عن أولئك {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)}فصلت.
وقال جل وعلا :{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)} يونس.
قال الزرقاني في كتابه مناهل العرفان (1/308): ومن هنا تحرص النفوس الموفقة على وعي هداية القرآن وهدي الرسول وتعمل جاهدة على أن تحفظ منهما ما وسعها الإمكان.
أما النفوس الضالة المخذولة فإنها مصروفة عن هذه السعادة بصوارف الهوى والشهوة أو محجوبة عن هذا المقام بحجاب التعصب والجمود على الفتنة أو مرتطمة بظلام الجهل في أوحال الضلال والنكال.انتهى
وقد بين الله تعالى أن القرآن يهدي للتي هي أقوم فقال سبحانه :{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء: 8].
وقال جل شأنه :{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)}الجن.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره ص 890: { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } والرشد: اسم جامع لكل ما يرشد الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، { فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه جميع أعمال الخير، وبين التقوى، المتضمنة لترك الشر ، وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمانوتوابعه، ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به، واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة .انتهى.
وجاء في التفسير والمفسرون(5/47) نقلاً عن الشيخ المراغي في تفسيره: أن الإنسان إذا تُرك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية، ضلَّ وكره الحياة، وكان أشقى من أنواع الحيوان، وشقاؤه يكون من ناحية العقل نفسه، فقد دلَّت التجارب على أن العقل غير المؤيَد بالشرع الإلهي يذهب مذاهب شتَّى، منها الصواب ومنها الضلال، وهو فيما عدا المحسَّات والماديات ضلاله أكثر من صوابه. وهذه آراء العلماء فى الفلسفة والأخلاق، يشبه بعضها هذيان المحموم، وبعضها لا يُدرَك له محصل على كثرة ما يقولون من مقدمات وبراهين. وهذه مذاهب الاجتماع قديمها وحديثها، لم تسعد الأُمم بها، فلا بد من هداية تصدر عن المعصوم يحملها من عند الله العلى الحكيم. وقد دلَّت التجارب أيضاً على أن الأُمم التي عملت بالهدى كله أو بعضه سعدت بمقدار ذلك الهدى الذي عملت به.
وأما أنه لولا الدين لما احتمل الإنسان هذه الحياة، فإنها على قصرها مملوءة بالمصائب والويلات، فمن فقر مدقع، إلى مرض مزمن، ومن فقد الأهل والعشيرة، إلى فقد العزة والجاه، ومن شرف رفيع، إلى ذلة ومهانة .. واحتمال هذا كله إذا لم يكن أمام الإنسان أمل ينتظره، وحياة دائمة فيها سعادة دائمة ليس في طاقة الإنسان، فالاعتقاد بالآخرة يرفه العيش، ويجعل المؤمن في سعادة نفسية، ويقويه على احتمال الصعاب، وعلى الصبر على معاشرة الناس، فلا بد من نظام يُعتقد فيه العصمة من الخطأ، ويُهدر معه حكم العقل إذا حصل تعارض بينهما، فإن دائرة العقل محدودة، وهى قاصرة عن إدراك خفايا المستقبل.
وإذا قيل: إن التدين مُقيِّد للحرية، ومانع من التمتع باللَّذات، فكيف تكون فيه السلوى والعزاء؟ فالجواب: أن الإسلام أباح الطيبات وحرَّم الخبائث، ولم يحظر من اللَّات إلا ما يضر الإنسان، وليست السعادة في حرية البهائم، بل في حرية يسبح بها فيما فيه خيره وسعادته، ويحظر عليه فيها ما فيه ضرره وشقاؤه، وقوام آداب الأُمم وفضائلها، التي قامت عليها صروح المدنية الحقة مستند إلى الدين، وبعض العلماء يحاول تحويلها عن أساس الدين، وبناءها على أساس العقل والعلم، غير أنه لا شبهة في أن الأُمم التي تروم هذا التحول تقع في اضطراب وفوضى لا تعلم عاقبتهما، وليس من الميسور أن تُبنى للعامة قواعد الفضيلة على أساس علم الأخلاق، أو أية قاعدة علمية أخرى، ولكن من الميسور دائماً أن تُبنى قواعد الفضيلة على أساس العصمة للدين، فالذي يحاول العلماء: وهم وخيال. انتهى
قوله :[ وهي ـ أي الشبهة ـ أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافاً لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه ، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق ، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما ].
قلت: وهذا عجيب منافي لسلاسة ويسر الأسلوب القرآني ، والله تعالى وضح ذلك فقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)} القمر.
وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } محمد.
وقال جل شأنه: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)} النساء.
وقال سبحانه: { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) }طه.
وقال تعالى: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) }الزمر.
وقال تعالى: { حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)} فصلت.
وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)} فصلت.
هداية القرآن:
وهداية القرآن تمتاز بأنها عامة وتامة وواضحة.
أما عمومها فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان قال الله سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وقال جلت حكمته: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} وقال عز اسمه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} وقال عمت رحمته: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} .
وأما تمام هذه الهداية فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله والناس وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذين يعيش فيه ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد اقرأ إن شئت قوله سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وقال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} وقال عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ،وقال تعالت حكمته: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى غير ذلك من آيات كثيرة.
وأما وضوح هذه الهداية فلعرضها عرضا رائعا مؤثرا توافرت فيه كل وسائل الإيضاح وعوامل الإقناع أسلوب فذ معجز في بلاغته وبيانه واستدلال بسيط عميق يستمد بساطته وعمقه من كتاب الكون الناطق وأمثال خلابة تخرج أدق المعقولات في صورة أجلى الملموسات وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام وجلال التشريع وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين ويهذب النفوس والغرائز ويصقل الأفكار والعواطف ويدفع الإنسان دفعا إلى التضحية والنهضة ويصور له مستقبل الأبرار والفجار تصويرا يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن يخرجنا استعراضها عما نحن بسبيله الآن.
والمهم أن نعلم في هذا المقام أن الهدايات القرآنية الكريمة منها ما استفيد من معاني القرآن الأصلية ومنها ما استفيد من معانيه التابعة أما القسم الأول فواضح لا يحتاج إلى تمثيل وهو موضع اتفاق بين الجميع وأما القسم الثاني ففيه دقة جعلت بعض الباحثين يجادل فيه وإنا نوضحه لك بأمثلة نستمدها من فاتحة الكتاب العزيز:
منها استفادة أدب الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال أخذا من ابتداء الله كتابه بها ومن افتتاحه كل سورة من سورة بها عدا سورة التوبة.
ومنها: استفادة أن الاستعانة في أي شيء لا تستمد إلا من اسم الله وحده أخذا من إضافة الاسم إلى لفظ الجلالة موصوفا بالرحمن الرحيم ومن القصر المفهوم من البسملة على تقدير عامل الجار والمجرور متأخرا ومن تقدير هذا العامل عاما لا خاصا.
ومنها: استفادة الاستدلال على أن الحمد مستحق لله بأمور ثلاثة تربيته تعالى للعوالم كلها ورحمته الواسعة التي ظهرت آثارها وتأصل اتصافه تعالى بها وتصرفه وحده بالجزاء العادل في يوم الجزاء وذلك أخذا من جريان هذه الأوصاف على اسم الجلالة في مقام حمد بقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
ومنها: استفادة التوحيد بنوعيه توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية من القصر الماثل في قوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
ومنها: استفادة دليل هذا التوحيد من الآيات السابقة عليه ووقوعه هو في سياقها عقيبها كما تقع النتيجة عقب مقدماتها.
ومنها استفادة أن الهداية إلى الصراط المستقيم هي المطمع الأسمى الذي يجب أن يرمي إليه الناس ويتنافس فيه المتنافسون يدل على ذلك اختيارها والاقتصار على طلبها والدعاء بها ثم انتهاء سورة الفاتحة بها كما تنتهي البدايات بمقاصدها.
ومنها: استفادة أن الهداية لا يرجى فيها إلا الله وحده لأنها انتظمت مع آيات التوحيد قبلها في سمط واحد.
ومنها: استفادة أدب من الآداب هو أن يقدم الداعي ثناء الله على دعائه استنتاجا من ترتيب هذه الآيات الكريمة حيث تقدم فيها ما يتصل بحمد الله وتمجيده وتوحيده على ما يتصل بدعائه واستهدائه.
هذه أمثلة اقتبسناها من سورة الفاتحة ونحن لا نظن أن أحدا يخاصم فيها.
هاك مثالين مما وقع فيه خلاف العلماء:
المثال الأول استفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر في ذكر هذه الأعضاء بآية الوضوء إذ يقول الله سبحانه{ يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } فأنت ترى أنه تعالت حكمته ذكر الرأس وهو ممسوح بين الأعضاء الأخرى وهي مغسولة وكان مقتضى الظاهر أن تتصل المغسولات بعضها ببعض وتذكر قبل الممسوح أو بعده لأن المغسولات متماثلة والعرب لا تفصل بين المتماثلات إلا لحكمة والحكمة هنا هي إفادة وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء في الطهارة على نمط الترتيب الماثل في هذه الآية.
وثمة وجه آخر لاستفادة حكم هذا الترتيب أيضا ذلك أن الآية المذكورة لم تعرض فيها أعضاء الوضوء مرتبة ترتيبا تصاعديا ولا ترتيبا تنازليا فلم يبدأ فيها بالأعالي متبوعة بالأسافل ولا بالأسافل متبوعة بالأعالي بل ذكر فيها عال ثم سافل ثم أعلى ثم أسفل وذلك خلاف مقتضى الظاهر ومثله لا يصدر في لغة العرب إلا لحكمة وما الحكمة هنا فيما نفهم إلا إفادة وجوب الترتيب في الوضوء وبهذا قال الشافعية والحنابلة وإن خالفهم الحنفية والمالكية.
المثال الثاني استفادة وجوب مسح ربع الرأس في الوضوء أخذا من مخالفة مقتضى الظاهر أيضا في قوله سبحانه: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} حيث دخلت باء على الرؤوس وهي الممسوحة مع أن الظاهر كان يقتضي دخولها على آلة المسح وهي راحة اليد ولكن مخالفة هذا الظاهر في كلام عربي بليغ دلتنا على أنه نزل الرأس منزلة آلة المسح إرشادا إلى أن اليد توضع على الرأس وتحرك كأننا مسحنا اليد بالرأس وبهذه الطريقة تنمسح الناصية عادة وهي تقدر بربع الرأس فالواجب إذن هو مسح ربع الرأس وبهذا أخذ الحنفية وإن خالفهم الأئمة الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين.
ولسنا هنا بصدد مقارنات فقهية أو موازنات مذهبية حتى نناصر رأيا على رأي أو نرجح فهما على فهم فحسبنا في هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتبار معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف وإن اختلف الناس في إدراكها على مقدار اختلاف مواهبهم واستعدادهم لأن هذه المعاني الثانوية دقيقة الطرق لطيفة المسالك ومن شأن الدقائق واللطائف أن يكون مجال التفاوت بين الفاهمين لها بعيدا بخلاف دلالة نظم القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف لأن هذه المعاني كما قررنا يستوي فيها العربي والعجمي والحضري والبدوي والذكي والغبي.
واعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها أكثر مما ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها للاعتبارات الآنفة ولأن المعاني الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق أما المعاني الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج تتجلى فيها علوم الله وحكمته وعظمته الإلهية وتظهر منها فيوضات الله وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين وورثة كلامه المقربين وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.اهـ نقلا عن مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني (2/124 ـ 128) مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.
وأخيراً أقول بأن الهدى والنجاة في التمسك بالوحي قرآنا وسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين والعلماء العاملين ، قال تعالى:{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[الأنعام: 153].
انتهى الشرح والحمد لله وحده .

*أوصي الجميع بتعلم هذه الأصول إذ لا ينبغي لمسلم أن يجهلها..نسأل الله الفقه في الدين..
"ملتقى أهل الحديث"


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وفاة الشيخ القاريء: محمد أيوب فجر اليوم السبت - ‎في السعودية نورس منتدى الـــــــــــــعـــــــــــــام 6 18-04-16 12:16 AM
شرح ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله - أمـــ الحياه ــل منتدى التوحيـــــــــــــد والعقيــــــــــــــدة 5 21-11-14 08:51 PM
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ــ المجلد الأول للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى (متجدد) ابو ايوب الراقي منتدى علـوم الحديـث والسيـرة النبويـة 12 20-11-14 10:02 PM
من فوائد التمر للإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- بحر العلم منتدى الطب البديل الـــعـــام 1 09-04-13 06:23 PM
خمســــون سؤالا وجوابا في العقيــدة للشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- بحر العلم منتدى التوحيـــــــــــــد والعقيــــــــــــــدة 5 07-08-12 04:02 AM


الساعة الآن 10:15 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc
استضافة : حياه هوست

:حياه هوست استضافة لخدمات الويب


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009