آخر 10 مشاركات صفحة علاج الأخت الفاضلة ندى (الكاتـب : - )           »          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (الكاتـب : - )           »          بعض الاحاديث الضعيفة (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          شارك بنصيحة دينية أو حكمة أو دعاء (الكاتـب : - )           »          اللهم اجعلها خير (الكاتـب : - )           »          العلاج (الكاتـب : - )           »          متابعة العلاج (الكاتـب : - )           »          حذاء بكعب عالي (الكاتـب : - )           »          ولي العهد محمد بن سلمان (الكاتـب : - )           »          طلابى (الكاتـب : - )


 مواضيع لم يتم الرد عليها شارك  بالرد عليها


إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 19-01-15, 11:55 AM
عضو ألماسي
نورس غير متواجد حالياً
لوني المفضل Saddlebrown
 رقم العضوية : 1282
 تاريخ التسجيل : Sep 2014
 الإقامة : في رحمة الله
 المشاركات : 2,384 [ + ]
 التقييم : 264
 معدل التقييم : نورس is a jewel in the roughنورس is a jewel in the roughنورس is a jewel in the rough
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي حكم التداوي من الأمراض .. منقول






لما كان حفظ النفس من أهم الضرورات الشرعية اللازمة، فقد اقتضى هذا اتباع مختلف الأسباب التي تؤدي لهذا الحفظ؛ فالإنسان – ولله المثل الأعلى – عندما يغرس الشجرة وأنواع النبات يتعهدها بالماء، ويعمل على حفظها من الآفات، وعندما يبني البناء يتعهده بما يلزمه من المواد الضرورية كي يبقى سليماً من التصدع والسقوط، وإذا كان هذا في عالم المادة فهو آكد وأوجب في عالم الإنسان؛ فالنفس في مراحلها تواجه الكثير من العوارض المرضة التي تتولد من الغذاء، أو من البيئة، أو من العلل المصاحبة لوجودها.

وهذه العوارض والعلل تتنوع شدة وضعفاً ، وقد قدّر الله للإنسان أجله فلا يتقدمه أو يتأخره، وفي هذا قال عز وجل : {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}[1].

ولكن حكمته عز وجل اقتضحت أن يكون للإنسان إرادة في إصلاح نفسه بما ينفعه في دينه ودنياه وفي هذا قال تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}[2].

والعمل الصالح في إطلاقه يقتضي ما فيه نفع الإنسان في دينه ودنياه؛ فمداواته نفسه من الأمراض والعلل يعد إصلاحاً وقواماً لها في أمور الدين والدنيا معاً؛ فالمريض لا يقدر على كسب رزقه ورزق ولده، والمريض لا يؤدي واجباته الدينية مثلما يؤديها السليم في نفسه، وهذه المداواة إن لم تكن من الواجبات – على رأي من يقول ذلك – فهي من المقاصد الشرعية؛ لأن الإنسان ملزم بحفظ نفسه، ومن حفظها مداواتها عندما تتعرض لعارض أو علة[3].

قال الإمام الحافظ ابن حجر بأن مدار الطب على ثلاثة أشياء:

- حفظ الصحة.

- الاحتماء عن المؤذي.

- استفراغ المادة الفاسدة.

وقد أشير إلى هذه الأشياء في كتاب الله:

فالأول: حفظ الصحة قول الله تعالى: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر[4] . وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر إبقاء على الجسد، وكذا القول في المرض.

الثاني: وهو الحمية من قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم}[5]. فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد.

أما الثالث : فقول الله تعالى: {أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}[6]. فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس[7].

أما السنة فقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التداوي من الأمراض والعلل حيث روى جابر بن عبد الله أنه قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عزوجل[8]. وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"[9].

وفي حديث ابن مسعود مرفوعاً: "إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله"[10].

وفي حديث أسامة بن شريك أنه بينما كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم – "جاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم : يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد قالوا : وما هو؟ قال: الهرم"[11]. وفي حديث أبي الدرداء مرفوعاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام"[12].

وفي حديث أبي خزامة: قلت: "يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله"[13]. وفي حديث زيد بن أسلم مرسلاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم – "قال لرجلين: أيكما أطب؟ قالا: وفي الطب خير؟ قال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء"[14].

وفي هذه الأحاديث إخبار وأمر: أما الإخبار فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن لكل داء دواء وهذا الإخبار يفيد العلم اليقين؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبلغ لرسالة الله وما ينطق عن الهوى"[15]. فعلم من هذا بداهة أن لكل مرض دواء باستثناء داء واحد هو الهرم الشيخوخة، وهذا هو ما ورد في كتاب الله في قوله عز وجل : {ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}[16].

وقوله: { ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى}[17].

وعدم شفاء بعض الأمراض، أو استعصاؤها على الأدوية لا يعني أنها مستعصية في ذاتها، بل ربما أن الطب لم يستطع معرفة دوائها واستقراء تاريخ الطب يؤكد هذا؛ فكثير من علاج الأمراض لم يحدث إلا بعد سنوات طوال من التجارب؛ فمرض التدرن الرئوي مثلاً كان يقتل العديد من البشر قبل معرفة علاجه، ومثله مرض الجلاكوما الذي كان يدمر العصب البصري قبل معرفة علاجه، وقس على ذلك العديد من الأمراض الأخرى... وعندما يقال اليوم إن هناك أمراضاً مستعصية أو ميؤوساً منها فلا يعني ذلك أنه ليس لها دواء البتة، بل لأن الطب ربما عجز عن معرفة دوائها كما ذكر، وهذا مصداق قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علمه من علمه وجهله من جهله. وقد يحدث العلم بمعرفة الدواء، وقد لا يحدث في هذا الزمان أو ذاك؛ لأن علم الإنسان سيظل قاصراً إلى أن يعلمه الله العلم لأنه لا علم إلا منه، كما قالت الملائكة لله عز وجل : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم[18].

وأما الأمر بالتداوي فالدليل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعراب: تداوو. وقوله عليه الصلاة والسلام : "تداووا ولا تداووا بحرام"[19]، وهذا أمر، والأمر في إطلاقه يفيد الوجوب، ولا يستثنى منه إلا ما كان محرماً. وما كان يأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التداوي كان يفعله بنفسه؛ فقد ورد في مسند الإمام أحمد أن عروة كان يقول لأم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – يا أمتاه لا أعجب من فهمك أقول: زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقال: « أي عريّة، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فكانت تنعت له الأنعات وكانت أعالجها له فمن ثم»[20].

وقد احتجم عليه الصلاة والسلام فأمر بالحجامة وقال: شفاء أمتي في ثلاث: ... شرطة محجم[21].

واستدل الفقهاء بهذه الأحاديث على جواز التداوي أحياناً ووجوبه أحياناً أخرى. ففي مذهب الإمام أبي حنيفة القول بهذا الجواز، بل إن من أصحاب المذهب من أجاز التداوي بالمحرم كدواء العين بلبن البنت إذا علم فيه الشفاء، ولم يوجد دواء غيره.. وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول، والدم، والميتة، للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاءه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. أما إن قال الطبيب يتعجل به شفاؤك فيه وجهان، وهل يجوز شرب العليل من الخمر للتداوي ففيه وجهان. وقد ذكره الإمام التمرتاشي وكذا في الذخيرة: « وما قيل إن الاستشفاء بالحرام حرام غير مجري على إطلاقه وأن الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إن علم وليس له دواء غيره يجوز، ومعنى قول ابن مسعود – رضي الله عنه – لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم يحتمل أن يكون قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة فلا يكون الشفاء بالحرام وإنما يكون بالحلال»[22].

وفي مذهب الإمام مالك أن التداوي مما لا بأس به وأن ذلك لا ينافي التوكل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على غاية التوكل وكان يستعد للحرب وقال لصاحب الناقة: اعقلها وتوكل، ويجوز التعالج بكل ما يراه العالم بالطب نافعاً ومناسباً لصاحب المرض من الأسماء وهذا خاص بالعلاج الحلال، أما المحرم فلا، أي لا يجوز التداوي بالخمر إلا ما قام الدليل عليه، مثل أن يدفع بها غصته أو عطشاً[23].

وعند الإمام الشافعي أن العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان[24]. وذكر الجمل في حاشيته أنه لو قطع بإفادته كعصب محل الفصد وجب، وقال: ويجوز الاعتماد على طب الكافر ووصفه ما لم يترتب على ذلك ترك عبادة أو نحوها مما لا يعتمد فيه[25]. وإذا اضطر المريض إلى التداوي بشرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات المائعة غير المسكر جاز له ذلك بلا خلاف[26].

ويرى الإمام الغزالي أن « الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل وسائر أبواب الطب، أعني معالجة البرودة بالحرارة والحرارة بالبرودة، وهي الأسباب الظاهرة في الطب وإلى موهوم كالكي والرقية. أما المقطوع فليس من التوكل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت. وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتوكلين، وأقواها الكي ويليه الرقية. وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضاً للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظوراً بخلاف المقطوع، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص فهي على درجة بين الدرجتين»[27].

وفي مذهب الإمام أحمد يرى القاضي وأبو الوفاء وابن عقيل وابن الجوزي أن الأفضل فعله، وجزم به ابن هبيرة في الإفصاح، وقيل يجب وزاد البعض إذا ظن نفعه. والذين قالوا بتركه ابتغوا فضيلة التوكل أو ربما قصدوا تركه لمنافاته التوكل[28].

ويرى الإمام ابن تيمية أن كل ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نبوته وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع، لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة. ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرع لاستحبابه فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أم مستحب أم واجب ثم يقول: « .. وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار، فقد يحصل أحياناً للإنسان إذا استمر المرض ما إن لم يتعالج معه مات والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف، وكاستخراج الدم أحياناً[29].»

ويرى الإمام ابن القيم أن الأحاديث النبوية في مسألة التداوي قد تضمنت إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: لكل داء دواء، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - البرء بموافقة الداء الدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصد عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصراً، ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم ينفع، ومعه كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثم مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، وتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد، وهذا أحسن المحملين في الحديث[30].

ثم يشير الإمام ابن القيم إلى المنكرين للتداوي بحجة التوكل ويرد عليهم بقوله: « وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، ولا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسماء التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عما ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما به العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحل والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً.

وفيها رد على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قدر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدر، فكذلك . وأيضاً المرضى حصل بقدر الله، وقدر الله لا يدفع ولا يرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يؤردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع، والعطش والحر، والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع.

ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرة؛ لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا، لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا}[31] {و لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا}[32]. فهذا قالوه دفعاً لحجة الله عليهم بالرسل.

ثم يشير – رحمه الله – إلى التأثير النفسي للتداوي فيقول: « وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : لكل داء دواء تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعر نفسه أن لدائه دواءً يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته.

وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان على وأن أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضاً إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله، وصادف داء قلبه، أبرأه بإذن الله تعالى»[33].

فقد ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع إلى الثاني عشر من شهر ذي القعدة لعام 1412هـ ما يلي: « فيكون التداوي واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه، أو عجزه أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية»[34].

قلت: وأما الأصل الثالث في التداوي فهو المعقول؛ ذلك أن الإنسان بطبعه يكره الألم، وقد لا يكون له قدرة في الصبر عليه؛ لأن الألم ضد اللذة؛ فالله جل وعلا عندما قال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا[35]. أدركنا عقلاً أنه ليس في الفقر لذة وليس في العقم لذة، كما أدركنا نقلاً أن أهل الجنة لا يمرضون؛ لأنه ليس في المرض لذة، والجنة كلها لذات لأهلها.

والله جل وعلا عندما قال: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}[36] . أمر عباده أن يجتنبوا كل ردئ أو نجس من المأكولات، لما يسببه ذلك من ضرر للنفس، ومن ضمن هذا الضرر المرض وآثاره المادية والنفسية.. ومن يقول بترك التداوي من المرض يخالف طبيعة الأشياء؛ لأنه بذلك يقسر النفس على ما لا تطيقه، ويصرفها عما تريده؛ ذلك أن المرض يسبب الألم، وفي الدواء تسكين لهذا الألم، ورغبة النفس في اللذة بتسكين الألم من مسلمات العقل.

والدواء يكون مستحباً في حالات وواجباً وضرورياً في حالات. أما المستحب فما قد يصيب الإنسان من ألم خفيف فيصير عليه إذا ظن أن ذلك عارض يزول بزوال سببه من حر أو برد أو نحوهما، فالمريض بحاله هذه أدرى طالما أن الألم لم يدركه ولم ينزله منزلة الضرر والخطر، أما الواجب أو الضروري فعندما يكون في حال يستضر بها والأمثل على هذا كثيرة، فقد يتعرض لحادث يجعله ينزف دماً فإن ترك الدم على حاله تلك فقد حياته وقد يتعرض لهجوم من دابة أو حيوان مفترس فإن لم يتداوى يدركه خطر السم فيموت، وقد يصاب بعدوى مرض خطير أو فيروس قتل فإن ترك علاجه تردت حاله فهلك، ففي هذه الأمثلة وأشباهها يجب عليه التداوي، ولا حجة له بالقول بالتوكل؛ لأنه إذا امتنع عن العلاج أصبح قد عرض نفسه للهلاك، فهو بهذا لا يختلف عمن يترك الطعام والشراب مع إمكان حصوله عليه حتى يموت، فدخل في حكم قول الله تعالى : {ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة}[37]. وقوله عز وجل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً[38]. فكان كحال من قتل نفسه.

وأما القول بمنافاة التداوي للتوكل فيرد عليه بأن منزل الداء هو المنزل للدواء، وهو الله، فكلاهما من قدره، وكلاهما من حكمته وإرادته، وهذا هو معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي خزامة هي من قدر الله، وهذا هو أيضاً معنى قوله عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم الطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها[39]. والطاعون في كلتا الحالتين من قدر الله. ولا يعني عدم الدخول إلى البلاد الموبوءة فراراً من قدر الله، وهذا هو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رجع بمن معه إلى المدينة لما علم في الطريق عن الطاعون الذي حدث في الشام، ولما قاله له من معه أتفر من قدر الله؟ قال رضي الله عنه: « نفر من قدر الله إلى قدر الله»[40]

*أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك خالد بأبها.

-------------------------------------------------



[1] سورة الأعراف الآية 34.

[2] سورة فصلت من الآية 46.

[3] مدى مشروعية إيقاف أجهزة الإنعاش الطبي في حال الأمراض المستعصية للدكتور عبد الرحمن حسن النفيسة، ضمن رسائل ومسائل في الفقه ج 8 ص 109- 124.

[4] سورة البقرة من الآية 184.

[5] سورة النساء من الآية 29.

[6] سورة البقرة من الآية 196.

[7] فتح الباري، ج 10 ص 140.

[8] أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي، صحيح مسلم مع شرحه إكمال إكمال المعلم، ج 7 ص 385، برقم 69.

[9] أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، فتح الباري ج 10 ص 141، برقم 5678.

[10] أخرجه الإمام أحمد في المسند ، ج 1 ص 377.

[11] أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، سنن أبي ماجة، ج2 ص 1137، برقم 3437.

[12] أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، سنن أبي داود ، ج4 ص 7، برقم 3874.

[13] أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، سنن ابن ماجة، ج 2 ص 1137، برقم 3437، وأخرجه الترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء لا تردّ الرقى ولا الدواء من قدر الله شيئاً، سنن الترمذي ، ج 4 ص 395، برقم 2148.

[14] أخرجه الإمام مالك في الموطأ، باب تعالج المريض، برقم 1712، رواية يحيى الليثي، ص 674.

[15] سورة النجم الآية 3.

[16] سورة الحج من الآية 5.

[17] سورة غافر من الآية 67.

[18] سورة البقرة من الآية 32.

[19] أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة ، سنن أبي داود، ج 4 ص 7، برقم 3874.

[20] أخرجه الإمام أحمد في المسند، ج 6 ص 67.

[21] أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، فتح الباري، ج 10ص143 برقم 568.

[22] حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار في فقه الإمام أبي حنيفة، ج 5 ص 71، 228.

[23] الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، ج 2 ص 368 – 369.

[24] ذكره السيوطي في أوائل كتابه الطب النبوي كما قال العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس، ج2 ص 89.

[25] حاشية الجمل على شرح المنهج لزكريا الأنصاري، ج2 ص 134 – 135، وانظر روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي، ج2 ص 96.

[26] المجموع شرح المهذب للإمام النووي ، ج 9 ص 50.

[27] إحياء علوم الدين، ج 4 ص 263.

[28] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد للمرداوي ، ج2 ص 463، وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع ، ج 2 ص 76.

[29] مجموعة الفتاوى ، ج 18 ص 11-12.

[30] زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 4 ص 77.

[31] سورة الأنعام من الآية 148.

[32] سورة النحل من الآية 35.

[33] زاد المعاد في هدي خير العباد، ج4 ص 79.

[34] قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع، القرار رقم 69/5/7 .

[35] سورة الكهف من الآية 46.

[36] سورة البقرة من الآية 172.

[37] سورة البقرة من الآية 195.

[38] سورة النساء من الآية 29.

[39] أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، فتح الباري ، ج 10 ص 189، برقم 5728.

[40] طاعون عمراس: عن عبد الله بن عباس « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد – أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه – فأخبره أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين ، فدعاهم، فاستشارهم ، وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام، فاختلفوا : فقال بعضهم قد خرجنا لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمنهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبِّح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال فجاء عبد الرحمن بن عوف – وكان متغيباً في بعض جاحته – فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه . قال فحمد الله عمر، ثم انصرف، أخرجه البخاري في كتاب الطب ، باب ما يذكر في الطاعون، فتح الباري، ج10 ص 189، برقم 5729.



موقع رسالة الإسلام - الملتقي الفقهي - بإشراف الشيخ الدكتور عبد العزيز بن فوزان الفوزان



 توقيع : نورس

الله يسمع صوتكَ في اللحظة التي تعتقدُ فيها أن كل شيء قد خذلك💚

رد مع اقتباس
قديم 20-01-15, 10:15 AM   #2
العبد الفقير إلى الله " طويلب علم - كان الله له وأيده بنصر من عنده .


الصورة الرمزية أبو عبادة
أبو عبادة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2
 تاريخ التسجيل :  Aug 2011
 المشاركات : 12,083 [ + ]
 التقييم :  516
لوني المفضل : Maroon
افتراضي رد: حكم التداوي من الأمراض .. منقول



موضوع قيم وهام وفيه الكثير من الفائدة وابواب النقاش

نسأل الله أن ينفع به ويكتب لكم الأجر والثواب


 
 توقيع : أبو عبادة

***
قوة الانتفاع بالذكر والتعوذ تختلف بحسب قوة إيمان العباد وحضور قلوبهم أثناء الدعاء والتعوذ، فقد مثل ابن القيم ـ رحمه الله ـ الدعاء بالسيف، وذكر أن قوة تأثير الدعاء بحسب قوة إيمان الداعي، كما أن تأثير ضربة السيف بحسب قوة ساعد الضارب، فقد قال في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين عند الكلام على الرقية بالفاتحة : فإن مبنى الشفاء والبرء على دفع الضد بضده، وحفظ الشيء بمثله، فالصحة تحفظ بالمثل، والمرض يدفع بالضد، أسباب ربطها بمسبباتها الحكيم العليم خلقا وأمرا، ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة، وقبول من الطبيعة المنفعلة، فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية، ولم تقو نفس الراقي على التأثير، لم يحصل البرء، فهنا أمور ثلاثة : موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل، فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء، وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن الله سبحانه وتعالى، ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقى، وميز بين النافع منها وغيره، ورقى الداء بما يناسبه من الرقى، وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل، كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره، وحسن تأمله، والله أعلم. اهـ.


***


رد مع اقتباس
قديم 20-01-15, 12:28 PM   #3
عضو ألماسي


الصورة الرمزية نورس
نورس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1282
 تاريخ التسجيل :  Sep 2014
 المشاركات : 2,384 [ + ]
 التقييم :  264
لوني المفضل : Saddlebrown
افتراضي رد: حكم التداوي من الأمراض .. منقول



جزاك الله خيراً شيخنا أبو عبادة


 

رد مع اقتباس
قديم 25-01-15, 10:36 AM   #4
بكالوريوس دراسات اسلاميه - مدرسة مادة القرآن والعلوم الإسلامية


الصورة الرمزية رحماك ربي
رحماك ربي غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1052
 تاريخ التسجيل :  Jan 2014
 المشاركات : 1,410 [ + ]
 التقييم :  70
 الدولهـ
Yemen
لوني المفضل : Purple
افتراضي رد: حكم التداوي من الأمراض .. منقول



بارك الله فيك


 
 توقيع : رحماك ربي

في كل مرة يمسك الضُر وتبدأ روحك تمتلئ تعبًا
تذكر أنك تحت ظل الذي لا يعجزه شيء الذي يتولاك برحمته و لا يوكلكَ لسواه
ستطيب و تطيب نفسك ❤


رد مع اقتباس
قديم 29-12-15, 04:04 PM   #5
عضو ألماسي


الصورة الرمزية نورس
نورس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1282
 تاريخ التسجيل :  Sep 2014
 المشاركات : 2,384 [ + ]
 التقييم :  264
لوني المفضل : Saddlebrown
افتراضي رد: حكم التداوي من الأمراض .. منقول



وبارك لك مشرفتنا الفاضله


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بعض طرق تشخيص الأمراض الروحيه ابو ايوب الراقي منتدى درهــــــــــــم وقـــــــــايـــــة لعـمـــــوم الرقيــــة الشرعيــة 5 28-01-15 09:08 PM
البصل وعصيره لعلاج الأمراض ابو ايوب الراقي منتدى العلاج بطب الأعشاب " بإشراف الفضلاء - الشيخ أبو أيـوب الراقي - الشيخ حاتم عفيف الدين " 1 10-06-13 12:54 PM
تاثير الحجامة على الأمراض النفسية الحجامة أم يوسف منتدى العلاج بطب الحجامة 4 13-02-13 09:39 PM
مجموعه الأمراض التي تعالجها الحجامه الحجامة أم يوسف منتدى العلاج بطب الحجامة 1 29-12-11 10:20 PM


الساعة الآن 02:33 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc
استضافة : حياه هوست

:حياه هوست استضافة لخدمات الويب


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009