آخر 10 مشاركات العلاج (الكاتـب : - )           »          صفحة علاج الأخت الفاضلة ندى (الكاتـب : - )           »          متابعة العلاج (الكاتـب : - )           »          حذاء بكعب عالي (الكاتـب : - )           »          ولي العهد محمد بن سلمان (الكاتـب : - )           »          بعض الاحاديث الضعيفة (الكاتـب : - )           »          طلابى (الكاتـب : - )           »          رؤيا (الكاتـب : - )           »          رؤيه صفية (الكاتـب : - )           »          هل ينقطع عمل العبد بموته ؟ (الكاتـب : - )


 مواضيع لم يتم الرد عليها شارك  بالرد عليها


إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 21-02-13, 09:22 PM
عضو ذهبي
بحر العلم غير متواجد حالياً
Algeria    
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 185
 تاريخ التسجيل : Feb 2012
 الإقامة : الجزائر
 المشاركات : 682 [ + ]
 التقييم : 59
 معدل التقييم : بحر العلم will become famous soon enough
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي من فقه الزكاة



بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


من فقه الزكاة

ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.
عبادَ الله، إنّ اللهَ جلّ وعلا حكيمٌ عليم عندما جعل خلقَه متفاوتين في الرّزق، فمِن موسَّعٍ عليه ومنهم من دون ذلك ابتلاءً وامتحانًا، وسّع على بعضِ خلقِه فأعطاهم من أصنافِ المال ما أعطى ليبتليَه هل يقوم بشكرِ هذه النّعمة، فيشكر اللهَ على هذه النّعمة ويؤدّي حقّها ويقوم بواجبها، ويعلم حقًّا أنّها من الله فضلاً وإحسانًا وكرمًا؟ ومن عبادِ الله من ضُيِّق عليه في رزقه ابتلاءً وامتحانًا، هل يصبر ويرضى أم يتسخَّط؟ (فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ ) [الفجر:15-17]، ليس من وسّعنا عليه في الرّزق دليلاً على الرّضا، ولا من ضُيّق عليه دليل على السّخَط، ولكنّه الابتلاء والامتحان.
حبّ المال غريزَة في نفوس البشر، (وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّا جَمًّا) [الفجر:20]، (وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات:8].
أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا افترض الزّكاةَ في أموال الأغنياء ابتلاءً وامتحانًا، فالمؤمن الصّادق آمن بفرضيّة الزكاة، آمن بها إيمانًا جازمًا، إيمانًا صادقًا، علم أنّها الرّكن الثالث مِن أركان دينِه، وأنّ إسلامَه لا يكمُل ولا يستقيم إلاّ بأداء هذه الفريضة. إذًا فهو مؤمنٌ بفرضيّتها، مصدّق موقن، ثمّ مع هذا الإيمان ينفّذ حقيقةَ هذا الإيمان، فيخرِج زكاة ماله طيّبةً بها نفسُه، قريرة بها عينُه، يحمد الله ويثني عليه عند إخراجها، لماذا؟ لأنّه تدبَّر وتفكّر ورأى نِعَم الله عليه وفضلَه عليه وإحسانَه إليه، فشكر الله على نعمتِه وعلى فضلِه وإحسانه، فطابت نفسه بأداء تلك الزّكاة، وحمِد الله على نعمةِ الغنى والفضل، ثم حمده تعالى أيضًا على أن شرح صدرَه لأداء هذه الزّكاة، لإخراجها، لإيصالها إلى مستحقّيها.
أيّها المسلم، فريضة الزّكاة أمرٌ مستقرّ لدى المسلمين، دلّ على ذلك كتاب الله وسنّة محمّد وأجمع المسلمون على هذا إجماعًا قطعيًّا لا اختلافَ بينهم فيه، وأنّ منكِرَ وجوبها أو الجاحدَ لها هذا بلا شكّ مرتدّ عن الإسلام ليس من المسلمين، ومن شكَّ فيها أو في وجوبِها فإنّه ضالّ مضِلّ ليس من المسلمين، فلا بدّ من إيمانٍ جازم بها، إيمانًا صادقًا لا يعتريه شكّ ولا ارتياب.
يقول الله جلّ وعلا: (وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ) [البقرة:43]، وقال: (وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:110]، وقال: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ) [البينة:5]، وبيّن جلّ وعلا فضلَ هذه الزكاة وفوائدها فقال: (خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) [التوبة:103]، خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً بمعنى الزّكاة المفروضة، تُطَهّرُهُمْ فالزكاة تطهِّر قلب المصلّي وتزكّي نفسَه، تطهّر قلبَه من مرض النّفاق والارتياب، تطهِّر قلبَه من داء الشحّ والبخل والأنانية، تطهّر مالَه فتزيل شوائبَه، فيبقى المال مالاً طاهرًا نقيًّا، وهي تزكِّي أخلاقَه وتزيد في ماله، "وما نقصت صدقةٌ من مال"[1]، بل تزيده، بل تزيده.
أيّها المسلم، ونبيّنا يبيّن الأركانَ التي بُني الإسلام عليها فيقول: "بنِي الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان وحجِّ بيت الله الحرام"[2].
أيّها المسلم، في إخراجِ الزكاة مصالحُ وفوائد تعود على الفردِ المزكّي وتعود على المجتمع المسلم وعلى الأفرادِ الذين أخذوا الزّكاة.
أيّها المسلم، إنّ الزكاة مواساةٌ من الأغنياء لإخوانِهم الفقراء، مواساة لهم وتضميدٌ لجراحهم وإسعاف لهم في مهمّاتهم وملمّاتهم.
إنّ أداءَ الزكاة يقوّي الروابطَ بين أفرادِ المجتمع المسلم، بين غنيّه وفقيره، يقوّي الروابطَ بينهم، فالنفوس مجبُولة على حبِّ من أحسن إليها، وعلى مودّة من أحسنَ إليها. إذًا فإذا أدّى الأغنياء زكاةَ أموالِهم لإخوانِهم الفقراء تقوّت أواصرُ المودّة وارتبَط الجميع بعضه ببعض. ومِن فوائدِها تقليص الجرائمِ وإغناء النّفوس عن التطلّع إلى طلبِ المال بالوسائل المحرّمة. ففيها تقوية الأواصر، وفيها تقليصٌ للجرائم وإغناء النفوس بالحلال عن الحرام، وفيها شكر الله والثناءُ عليه والاعتراف له بالفضل والإحسان.
أيّها المسلم، الزّكاة ليست مِنّةً منك ولا مجرّد تفضّل منك، ولكن حقٌّ أوجبَه الله في مالك، افترض عليك أداؤه، فأدِّ تلك الزكاةَ عن نفسٍ طيّبة، واحمد الله على هذه النّعمة، فهي ليست تفضّلاً، ولكن حقوق واجبة وفريضة مفروضة في مالك ليُمتحَن بها إيمانك، هل أنت مؤمن حقًّا تخالف هوى النّفوس ومشتهياتِها، فتقدّم تلك الزكاةَ طاعةً لله والتماسًا لثوابه؟
أيّها المسلم، إنّ الزكاةَ لم تأتِ لإجحاف أموالِ الأغنياء واقتطاع أموالهم، لا، وإنّما جاءت لتعود على أموالهم بالخير والبركة، فهي لا تنقص الأموال وإن نقَص العدد، لكن البركةَ تحلّ في ذلك المالِ الذي أُدّي فيه الزّكاة. فهي تحصّن المالَ بتوفيق الله مِن الكوارث والحوادث، وفي الأثر: "حصِّنوا أموالكم بالزّكاة"[3].
أيّها المسلم، أوجَب الله الزّكاة في أنواعٍ من الأموال، أوجبها في الخارج مِن الأرض من الحبوب والثّمار المكِيلة المدَّخَرة إذا بلغت نصابًا خمسةَ أوسُق، أوجبها في بهيمةِ الأنعام من الإبلِ والبقر والغنَم إذا بلغت النصابَ ومضى عليها حولٌ، أوجبها في عروض التّجارات، أوجبها في النّقدين من الذّهب والفضّة.
هذه هي أصنافُ الأموال التي تجب فيها الزّكاة، فلم يوجِبها الله في مقتنيات الإنسان من فُرُش وأواني ومراكِب ومساكن، وإنّما أوجبها في الأموال النّامية التي يقصَد من خلالها نموّ المال وزيادته.
أيّها المسلم، أوجَبها الله عليك في النّقدين الذّهب والفضة أو الأوراقِ النّقدية القائمة مقامها، فهي تمثّلها وتقوم مقامَها، فلا بدَّ من زكاةٍ فيها. وجعل رسول الله نصابَ الفضّة مائتي دِرهم إسلاميّ، ما يعادل ستّة وخمسين ريالاً عربيًّا سعوديًّا، ونصابَ الذهب عشرين مثقالاً إسلاميًّا، ما يعادل أحدَ عشر جُنَيهًا وثلاثة أسباع جنَيه سعوديّ، هذا هو نصاب النّقدين الذّهب والفضّة، فيجِب على المسلم أن يُخرجَ ربعَ عشر النّقدين الذهب والفضّة، ومقداره اثنان ونصف في المائة، خمسة وعشرون ريالاً في الألف.
أيّها المسلم، أوجب الله عليك الزّكاةَ في عروض التّجارة، وهي السّلَع التجاريّة المعدَّة للبيع على اختلافِ أصنافها وأنواعها، قال سمرة بن جندب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله أن نخرجَ الزكاة ممّا نعدُّه للبيع[4]. فكلّ ما أعِدّ للبيع وجَب على المسلمِ أن يقوّمَه عند الحَول، فيزكّيه بإخراج رُبع عشر قيمته. فالسِّلع التجاريّة على اختلافها وتنوّعها؛ موادّ غذائيّة أو أثاثًا أو غير ذلك، سِلعًا مختلفة من جميع أنواع السِّلع يقوّمها مالكها عندَ الحَول، فيقوّم الموجوداتِ في مسكنه أو معرضه، يقوّم الموجود كلَّه، فيزكّيه بإخراج رُبع عشر قيمتِه الشرائيّة دونَ أن ينظر إلى قيمتِه الأصليّة هل وافقت ذلك أو نقصت؟ إنّما المهمّ أن يقوّم الموجودات عندَه عند رأس العام، أي: عند الشّهر الزّكويّ الذي حدِّد لزكاة أمواله، فيقوّمها ويُخرِج ربعَ عشر قيمتِها على اختلافِ تلك السّلع وتنوّعها، ملابس أو غيرها، أواني أو أراضي أو غير ذلك مِن الممتلكات؛ لأنّه اقتناها بنيّة التجارة ونيّة الاستفادة منها، فيجب أن يقوّمَها على رأسِ الحول ويخرجَ ربعَ عشر قيمتها.
أيّها المسلم، البعضُ قد يتساءل في هذا ويودِع أموالَه في أراضٍ مثلاً، ويقول: لا أريد بيعَها لهذا العام ولا للأعوام الآتية، إذًا لماذا وضعتَ النقود فيها؟ يقول: أريد بها حفظَ مالي، فيقال: هذا مقصودٌ به التّجارة من قريبٍ أو بعيد، فيجب أن تقوّمَه وأن تخرجَ ربعَ عشر قيمتِه.
أيّها المسلم، جميع السِّلَع التجاريّة أراضي كانت أو موادّ بناء أو مواد غذائيّة أو ملابس أو أواني، بل كلّ ما عُرض للبيع فإنّك تقوّم الموجوداتِ عندك على رأس العام، فتخرج ربعَ عشر قيمتها الشرائيّة الحاضرة، هذا هو الواجب عليك.
أيّها المسلم، إنّ هذه الزكاةَ حقّ لله، فيجب أن تتّقي الله في إخراجها، وأن تحاسبَ نفسك، فتعدّ رصيدَك البنكيّ، وتعدّ عروض التجارة الموجودة، فتزكيها بإخراج ربعِ عشر قيمتها.
أيّها المسلم، قد تكون الأموال ليست في سلَع ولا ممتلكات، ولكنّها أسهمٌ متداوَلة خاضعة للعَرض والطلب، دائمًا تساهِم وتعرِض أسهمَ المال، تشتري عندَ هبوط الأسعار، وتبيع عند ارتفاع الأسعار، فنقول: أيّها المسلم، هذه الأسهم التي بهذه الصّورة يجب أن تزكّيها بقيمتِها الحاضرة عند مضيّ الحول بإخراج ربعِ عشر قيمتِها، أمّا لو كانت الأسهمُ مجمّدةً للاستفادة فقط من أرباحها فالأرباح تزكَّى بعد قبضِها إذا مضى عليها سنَة. وأمّا أسهمٌ متداوَلة خاضِعة للعرض والطّلب، تشتَرَى عند النزول وتُباع عند ارتفاع السّعر، فهذه تزكِّيها بإخراجِ رُبع عشر قيمتِها عند الحول؛ لأنّها عبارةٌ عن مال تملكه بيدِك.
أيّها المسلم، ما في منزلك من أثاثٍ وأواني وسيّارات ومسكن هذه لا زكاةَ فيها، يقول: "ليس على المسلم في عبدِه ولا فرسه صدقة"[5].
السّيارات التي للأجرة إنّما يُزكَّى أجرتُها إن مضى عليها سنَة دون استهلاكها. المصانع القائمة لا تزكَّى. العمارات المؤجّرة لا تزكَّى أعيانها، إنّما تزكّى أجرتها إذا مضى عليها سنَة بعد عقد الإجارة، أمّا أعيانها فإنّها لا تزكَّى إلا إذا كانت معدَّةً للتجارة، فتقوّمها عند رأس الحول. الأراضي المختلِفة تزكّى إلاّ إذا اشتريتَها واقتنيتَها لأجل سكنٍ عليها أو لأجل استثمارها، أمّا إذا كان الشراء لقصد الانتفاع من قيمتِها عند غلاءِ السّعر فهذه تزكَّى، فإنّها عروض تجارة.
أيّها المسلم، هذه الزّكاة أمانةٌ عندك، والله سائلك عنها: هل أخرجتَها كاملةً؟ هل أوصلتها وأدّيتَها إلى مستحقّيها؟ فإنّ الله تعالى لم يترك الزّكاةَ لأمورِ الخلق، ولكنّه تعالى قسمها بنفسه، فلم يكِلها إلى ملَك مقرَّب ولا نبيّ مرسَل، قال تعالى: (إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60]. فقسّم الله الزكاةَ إلى هؤلاء الأصنافِ، فهم محلّ الزّكاة: الفقراء الذين لا يجِدون كفايةً أو يجدون ولكن أقلّ من كفايتِهم فيعطَون من الزّكاة ما يكفيهم لعامِهم، المسكين الذي يجِد نصفَ كفايته ونحو ذلك يُعطَى ما يكمّل به كفايتَه، هؤلاء الفقراء والمساكين يُعطَون من الزّكاة ما يكفيهم، شريطةَ أن يكونوا عاجزين عنِ العمل، لا قدرةَ لهم على الاكتساب، ولا يستطيعون التحرّك، فإن كانوا قادرين على العمل بأبدانهم، أصحّاءَ الأبدان، قادرين على الاكتساب، فلا ينبغي أن نعينَ الكسلانَ على كسلِه.
نبيّنا أرحم الخلق بالخلق جاءه رجلان يسألانِه الصّدقة، فقلِّب فيهما النّظر، فرآهما جلدَين أي: قويّين، قال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسِب"[6]، وقال أيضًا: "لا تزال المسألة بأحدِهم حتّى يلقى الله وليس في وجهِه مزعة لحم"[7]، وقال أيضًا: "مَن سأل النّاس تكثُّرًا فإنّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِر"[8]، وقال: "إنّ هذا المال حلوَة خضِرة، فمن أخذه بسماحةِ نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشرافِ نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كمن يأكل ولا يشبَع"[9].
أيّها المسلم، ويُعطَى من الزّكاة الغارمون، والغارمون هم [أولاً: من] غرِم لمصلحة الأمّة، بأن أصلحَ بين الفئاتِ المتنازعة والقبائل المتناحِرة، ودفع من مالِه ما أصلحَ به الخلاف، فيُعطَى لأنّ أمرَه عامّ، حتى ولو كان غنيًّا. ثانيًا: مَن غرِم لمصلحةِ نفسه، فتحمّل ديونًا في ذمّته، فيُعان من الزّكاة ما يقضِي به دينَه، ولكن لا ينبغي أن نعوِّدَ من يتلاعب بحقوق النّاس ويستدين ويُهمل، وإنّما يُعطَى من استدان لأمرٍ ما لأجل الضرورة والحاجة، فهذا هو الغارم الذي يُعطَى من الزّكاة ما يعينه على قضاء دينِه.
أيّها المسلم، ويُعطَى ابن السّبيل الذي انقطع عن بلدِه ما يوصِله، ويعطَى في سبيل الله المجاهدون لإعلاء دين الله.
قال العلماء: الزكاة لا تُبنَى بها المساجد، ولا تُطبَع منها الكتب، ولا يكفّن منها الموتى، ولكنّها لأصنافٍ خاصّة يجب أن نقتصِر على ذلك كما بيّن الله في كتابه.
أيّها المسلم، لا يجوز أن تسقِط الدينَ في ذمّة الفقير وتعتبِره من الزّكاة، لأنّ الزكاة أخذٌ وإعطاء.
أيّها المسلم، خُصَّ بزكاتِك ذوي الحاجات الذين قال الله فيهم مبيِّنًا حالَهم: (يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا) [البقرة:273]، وفي الحديث: "ليس المسكينُ الذي تردّه اللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطَن له فيتصدّق عليه، ولا يسأل النّاس فيعطوه"[10]. هذا هو المسكين الذي لا يعرف النّاس حالَه، والذي لا يسأل، والذي لا يجِد ما يغنيه.
أيّها المسلم، احذَر من هؤلاء الذين يتعلّلون ويظهِرون عاهاتٍ وأمراضًا والله معافيهم منها، فإنّ إعطاءَهم عونٌ لهم على جريمتهم.
أيّها المسلم، خُصَّ بزكاتك أقاربَك الفقراء من أرحامِ أمّك وأبيك، فإن وُجد فيهم فقير فهو أحقّ بها من غيره لأنّه قال: "الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصِلة"[11].
ابحَث عن المعوِزين من أيتامٍ وأرامل وعاجزين عن العملِ حتّى تقع الزكاة موقعَها بتوفيقٍ من الله.
أيّها المسلم، اشكر الله على أن جعلك يدًا معطيَة، ولم تكن يدًا آخذة، اشكر الله على فضلِه وإحسانه، واحمده على توفيقه وإعانتِه لك في إخراج زكاة مالك، فإنّها بلاء، والشيطان يثبِّط ابنَ آدم عن هذا، (ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:268].
أدِّ زكاةَ مالك، وحاسب قبلَ أن تُحاسب على ذلك، قبل أن تُحسَب عليك يومَ لقاء الله، واحذَر البخلَ والشحّ بها، فإنّ هذا بلاء عظيم.
اسمَع ـ أخي المسلم ـ الوعيدَ الشّديد لمن تهاون بأمرِ الزّكاة، يقول الله جلّ وعلا: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ) [آل عمران:180]، شجاعٌ أقرع يأخذ بلِهزمَتيه يقول: أنا كنزُك أنا مالك، والله يقول: (وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة:34، 35].
بيّن النبيّ ذلك بقوله: "ما مِن صاحبِ ذهبٍ ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمِيَ عليها في نار جهنّم، فيكوَى بها جنبه وجبينه وظهرُه، كلّما بردت أعيدَت عليه، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ حتى يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار"، قالوا: فالإبل يا رسول الله؟ قال: "ولا صاحب إبِل لا يؤدّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة بطِح لها بقاعٍ قَرقَر، لا يُفقد منها فصيل واحد، تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلّما مرّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يرى مصيره إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار"، قيل: فالبقر والغنم؟ قال: "ولا صاحب بَقر ولا غنمٍ لا يؤدّي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بقاعٍ قرقر، ليس فيها عقصاء ولا جَلحاء ولا عضباء، تنطحُه بقرونِها وتطؤه بأظلافِها، كلّما مرّ عليه أولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يرى مصيرَه إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار"[12].
فيا مَن منَّ الله عليه بالمال، احمَد الله وأدِّ الحقَّ الواجب، ولا تتهاون فتلقى الله بالتّبِعات، فينتفعُ به غيرك وتشقى به يومَ القيامة عياذًا بالله من الخسران.
أدّوا زكاةَ أموالكم، وأوصِلوها إلى المستحقّين، واتّقوا الله في هذا كلِّه لعلّكم تفلحون، يقول الله جلّ وعلا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ) [المؤمنون:1-4]. واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربكم: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

عبد العزيز ال الشيخ
مفتي عام المملكة العربية السعودية </B>







 توقيع : بحر العلم

قال الخليل بن احمد : أيامي أربعة : يوم اخرج فألقى فيه من هو اعلم مني فاتعلم منه فذلك يوم غنيمتي ويوم اخرج فالقى من انا اعلم منه فاعلمه فذلك يوم اجري ويوم اخرج فالقى من هو مثلي فاذاكره فذلك يوم درسي : ويوم اخرج فالقى من هو دوني وهو يرى انه فوقي فلا أكلمه واجعله يوم راحتي

رد مع اقتباس
قديم 22-02-13, 03:07 PM   #2
عضو ألماسي


الصورة الرمزية جنةالايمان
جنةالايمان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 20
 تاريخ التسجيل :  Sep 2011
 المشاركات : 1,812 [ + ]
 التقييم :  144
 الدولهـ
Bahrain
لوني المفضل : Maroon
افتراضي رد: من فقه الزكاة



بارك الله فيكم ونفع بكم


 
 توقيع : جنةالايمان

حكمة جميلة أعجبتني
إن فقدت مكان بذورك التي بذرتها يوما ما سيخبرك المطر أين زرعتها
لذا إبذر الخير فوق أي أرض و تحت أي سماء و مع أي أحد
فأنت لا تعلم أين تجده ومتى تجده
إزرع جميلا و لو في غير موضعه فلا يضيع جميلا أينما زرع فماأجمل العطاء ..
فقد تجد جزاءه في الدنيا أو يكون لك ذخرا في الآخرة.. لا تسرق فرحة أحد ولا تقهر قلب أحد.أعمارنا قصيرة وفي قبورنا نحتاج من يدعي لنا لا علينا ..
عودوا أنفسكم أن تكون أيامكم
- احترام- إنسانية- إحسان- حياة !
فالبصمة الجميلة تبقى وإن غاب صاحبها .


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كل ما تحتاجه عن الزكاة لسماحة العلامة بن باز يرحمه الله (رائع) أبو عبادة منتدى الفقــــــــــــــــه وأصـــــــــــــــــوله 6 16-07-15 05:17 PM
إثم مانع الزكاة !!!‎ قطر الندى منتدى علـوم الحديـث والسيـرة النبويـة 6 30-11-14 04:41 PM
مشروعية الزكاة ومكانتها مسلمة وأفتخر منتدى الفقــــــــــــــــه وأصـــــــــــــــــوله 6 09-01-14 07:24 PM
الدرس الثاني من فقة الزكاة بنت حرب منتدى التوحيـــــــــــــد والعقيــــــــــــــدة 2 27-07-13 05:29 PM
أدوا الزكاة قبل الوفاة‎ قطر الندى منتدى علـوم الحديـث والسيـرة النبويـة 1 17-11-12 09:25 PM


الساعة الآن 10:39 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc
استضافة : حياه هوست

:حياه هوست استضافة لخدمات الويب


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009